ليس التراثُ ما خلّفه الأجدادُ وراءهم، بل ما لم يغادرونا قطّ؛ هو الغائبُ الذي يسكن الحضورَ كما يسكن العطرُ الوردةَ بعد ذبولها.
في فلسطين، لا تُورَّث الأشياءُ بل تُورَّث الأرواحُ في هيئة أشياء.. الثوبُ المطرَّز قصيدةٌ صامتة نظمتها الجدّةُ بالخيط على بحرٍ من القماش، فجاءت كلُّ وردةٍ فيه قافية، وكلُّ غرزةٍ تفعيلة، وكلُّ قريةٍ ديوانا يُعرَف صاحبُه من لونه كما تُعرَف القبيلةُ من لهجتها، والكوفيّةُ ليست رداء للعنق، بل ظلٌّ مصغَّر للأرض، يلفّ الرجلَ كما تلفّ الجبالُ واديَها.
وللزيتونة في وجداننا مقامُ الأمّ الكبرى؛ تقف على التلّ كأنّها شيخٌ جمع من الأعوام ما لا تسعه الأرقام، وفي لحائها الملتوي حكمةُ من فهم أنّ الاعوجاجَ أحيانا هو أصدقُ أشكال الاستقامة. وزيتُها ذهبٌ سائل لا يشبه الذهبَ في شيء، فهو لا يُخزَّن في الخزائن بل يُوزَّع على الموائد، لأنّ الكرمَ عندنا عملةٌ أقدمُ من النقود.
وفي المطبخ تُقام أعظمُ الطقوس: رائحةُ الزعتر تنهض مع الفجر كأنّها نشيدُ الصباح، والخبزُ يخرج من الطابون كأنّه شمسٌ صغيرة طُهِّرت بالنار لتصلح للعائلة، والمقلوبةُ التي تُقلَّب على الصينيّة احتفالٌ مهيبٌ، يُرفَع فيه القدرُ كما يُرفَع الستارُ عن مسرحٍ يعرف جمهورُه النهايةَ ويصفّق للجمال مع ذلك.أمّا الحكاياتُ فهي المعمارُ الذي لا يُهدَم؛ تبنيها الجدّاتُ في الليالي الطويلة طابقا فوق طابق، حتى يصير في كلِّ طفلٍ بيتٌ من الأساطير يسكنه إلى آخر العمر. والمَثَلُ الشعبيّ جوهرةٌ صغيرة صقلتها قرونٌ من التجربة، تُقال في سطرٍ واحد ما تعجز عنه المجلّدات.
وهكذا يبقى التراثُ الفلسطينيّ نهرا خفيا يجري تحت جلد الأيام؛ مَن شرب منه لم يعطش إلى هويّته أبدا، ومَن وُلد على ضفافه حمل النسبَ في دمه كما تحمل الأصدافُ البحرَ في أحشائها.. وإن ابتعدت عنه ألفَ عام.
التراثُ هو الوطنُ حين يُجيد التخفّي في تفاصيلنا: في غرزةٍ، في رائحةِ زعتر، في لهجةِ أمٍّ، فلا يجد الغريبُ إليه سبيلا. ونحن لا نحمله على أكتافنا، بل يحملنا هو، كما يحمل النهرُ ضفافَه ولا يدري الناسُ أيّهما يُمسك الآخر. وما الأرضُ إلا ثوبٌ كبير، وكلُّ فلسطينيٍّ غرزةٌ فيه؛ فإن نُزعت غرزة، بكى الثوبُ كلُّه وظلّ مكانُها يحمل اسمَها.





