سليماني: استحداث مقاولات ومسارات شغل مستدامة للشباب
تحقيق اكتفاء ذاتي في عدد من المدخلات الصناعية الأساسية
شهد اقتصاد الرسكلة وإعادة تدوير النفايات بالجزائر، نموا متسارعا في السنوات الأخيرة، نظير الجهود المبذولة من طرف الحكومة لدمج هذا النشاط الحيوي في الاقتصاد الوطني، والاستفادة من المواد المعدنية والبلاستيكية والورقية المسترجعة لفائدة عدد من الصناعات التحويلية المحلية.
تحوّلت النفايات في الجزائر من مجرّد عبء بيئي، إلى قطاع استثماري مدر لملايير الدينارات، ومساهم مباشر في توفير كثير من المواد الأولية المؤهلة للاسترجاع بدل استيرادها بالعملة الصعبة من الخارج، مع إتاحة آلاف الوظائف القارة، واستحداث مئات الشركات الصغيرة العاملة في الاقتصاد الدائري.
ويرتبط تدوير المخلفات من مختلف المواد القابلة للاسترداد بالعديد من أهداف التنمية المستدامة، وعلى رأسها حماية الطبيعة والإنسان والحيوان من مخاطر بيئية ومناخية جمّة عبر سحب وإعادة استخدام كميات ضخمة من النفايات المطروحة في المحيط، وتحقيق اكتفاء ذاتي في عدد من المدخلات الصناعية الضرورية، والحفاظ على ديمومة الموارد الطبيعية وإعادة استخدامها بالشكل الأمثل بما يخدم الاقتصاد الوطني.
كما تساعد عملية إعادة التدوير واسعة النطاق، في تقليل حجم النفايات المتراكمة، ومن ثمّ حصر المهملات غير المعنية بالاسترجاع وتسهيل طمرها أو حرقها والتخلص منها كليا، ومنه منع آثارها السلبية على البيئة والمحيط التي تمتد لقرون طويلة.
وفي هذا الصدد، أكد الخبير الاقتصادي، الدكتور عبد القادر سليماني، أن الاقتصاد الدائري يقوم على تمديد عمر الموارد الطبيعية والمواد الأولية، وإعادة استخدامها وتدويرها واسترجاعها بما يضمن إعادة إدماجها في الدورة الإنتاجية والاقتصادية بشكل مستدام.
وأوضح سليماني في تصريح لـ«الشعب”، أن أهمية رسكلة النفايات، تأتي في ظلّ حاجة الجزائر إلى ترشيد استهلاك المواد الأولية محل استيراد من الخارج، وتطوير صناعات تحويلية قادرة على استقطاب الموارد الحيوية المسترجعة مثل النحاس والحديد والبلاستيك والورق، مشيرا أن كل طن من النفايات القابلة للتدوير يُمثِّل فرصة لاستعادة مواد ذات قيمة صناعية وتجارية، وتخفيض مصاريف مدخلات الإنتاج المحلي، وفتح مجال أمام المؤسسات والشركات لتطوير منتجات تنافسية بأقل كلفة.
وكشف سليماني أن توسّع نشاط تثمين النفايات عبر ولايات الوطن، أسهم في استحداث مؤسسات صغيرة ومقاولات شبانية فتحت مسارات مهنية مستديمة أمام البطالين، والأهم في هذا القطاع اليوم، ليس حجم النفايات المؤهلة لإعادة التدوير المسترجعة، بل في قيمة الثروة الموجهة للصناعات التحويلية المحلية، وفي قدرة الاقتصاد الوطني على تحويل المواد المسترجعة إلى منتجات ذات قيمة مضافة مرشّحة للتصدير إلى الخارج.
وتتشكّل ضمن شبكة رسكلة النفايات عدة خطوات متكاملة تبدأ من الفرز في مواقع تجميع القمامة قبل طمر فاقدة القيمة منها، والمعالجة الآنية، وتحديد وجهات المسترجعات، ثمّ تسويقها وإعادة إدماجها في الصناعات التحويلية الداخلية. وهذه المنظومة من شأنها أن تخلق قيمة مضافة هامة بكلفة محدودة جدا، وتتيح فرصا متعدّدة للشغل ضمن مقاولات متخصّصة في كل مرحلة، بحسب قوله.
ومن جانب تنموي، لفت سليماني إلى أن مكانة هذا القطاع تكمن في قدرته على تحويل النفايات من عبء مالي وبيئي على الحكومة، إلى مورد تنموي متجدّد قابل للاستغلال كمواد أولية في الصناعات، ومن مهملات عشوائية إلى مدخلات إنتاجية يمكن توظيفها في شعب المعادن والبلاستيك والكرتون ومواد البناء والأسمدة العضوية، بما يسمح بخلق سلاسل قيمة محلية، وتقليص استيراد المدخلات من الخارج، وتقليل هدر الموارد الطبيعية الوطنية.



