التحوّل الطاقـوي.. تصنيـع المعـدات محليـا وخلق فرص عمل مستدامـة
توطـين صناعـة “الإلكتروليزر” والطاقـة الشمسيـة.. رهان معرفي مرفوع
الجزائر تجـاوزت تصدير المحروقات إلى صناعـة الأمـن الطاقوي العالمـي
قدّم الخبير في شؤون الطاقة خالد بوخليفة قراءة مستفيضة في مرتكزات هذه الريادة الجزائرية التاريخية في إفريقيا والعالم، ودورها في تأمين الإمدادات إلى أوروبا وتعزيز الاستقرار والتنمية في إفريقيا، كما شرّح فرص الهيدروجين الأخضر في دعم التحوّل الصناعي الوطني وترسيخ موقع الجزائر ضمن منظومة الطاقة العالمية الجديدة.
الشعب: سجلت الجزائر خلال العام الجاري حركية طاقوية مكثفة توّجت بتوقيع اتفاقيات وشراكات مع دول من إفريقيا وآسيا وأوروبا، كان آخرها التعاون مع شركات فيتنامية وتايلاندية، بما عكس اتساع شبكة شراكاتها وتعزيز حضورها في الأسواق الدولية. كيف تقرؤون دلالات هذا الزخم ودورها في رسم ملامح المشهد الطاقوي الإقليمي والدولي؟
خالد بوخليفة: إن الحركية الطاقوية المكثفة التي شهدتها الجزائر خلال العام الجاري، وما رافقها من توقيع اتفاقيات وشراكات مع دول إفريقية وآسيوية وأوروبية، عكس في العمق تحولا نوعيا في مكانتها ضمن خريطة الطاقة الإقليمية والدولية، كما أكد أن الجزائر لم تعد بلدا منتجا ومصدرا للمحروقات وحسب، لأنها أصبحت شريكا استراتيجيا يمتلك مقومات التأثير في معادلات الأمن الطاقوي، خاصة في إفريقيا التي تتطلع إلى تثمين مواردها الطبيعية وتطوير بنيتها التحتية وتعزيز استقلاليتها الطاقوية، ونرى أن الجزائر تستمد هذه المكانة من جملة مقوّمات، في مقدمتها خبرتها الممتدة لعقود في مجال استكشاف المحروقات وإنتاجها ونقلها وتسويقها، بالإضافة إلى بنيتها التحتية من أنابيب نقل الغاز ومنشآت التمييع والتصدير، وموقعها الجغرافي الذي يمنحها ميزة استراتيجية في الربط بين إفريقيا وأوروبا، إضافة إلى امتلاكها شبكة واسعة من علاقات التعاون، ما يمنحها قدرة أكبر على تنويع أسواقها وشركائها، وتعزيز حضورها في بيئة دولية تتزايد فيها أهمية أمن الإمدادات واستقرارها.
أما على المستوى الإفريقي، فتبرز الجزائر باعتبارها قوة طاقوية محورية قادرة على الإسهام في بناء رؤية تنموية تتجاوز تصدير الموارد الخام إلى إقامة شراكات طويلة الأمد تقوم على الاستثمار ونقل الخبرة وتطوير الصناعات المرتبطة بالطاقة وتعزيز الربط الإقليمي؛ لأن القارة الإفريقية تمتلك إمكانات طبيعية هائلة، لكنها تحتاج إلى استثمارات وبنى تحتية ومشاريع هيكلية لتحويل هذه الثروة إلى قيمة اقتصادية وفرص عمل.. وفي هذا الإطار، يمكن للخبرة الجزائرية أن تؤدي دورا أساسيا من خلال تطوير مشاريع الطاقة العابرة للحدود، وتوسيع التعاون مع الدول الإفريقية، والمساهمة في بناء منظومة طاقوية أكثر تكاملا وقدرة على تلبية احتياجات التنمية.
ويعكس اتساع الشراكات الجزائرية لتشمل دولا من آسيا، على غرار فيتنام وتايلاند، إلى جانب الشركاء الأوروبيين والأفارقة، توجها نحو تنويع العلاقات الاقتصادية واستكشاف أسواق جديدة، بما يتيح للجزائر توسيع مجالات التعاون واستقطاب الاستثمارات والتكنولوجيا، وفتح آفاق إضافية أمام مؤسساتها الوطنية. كما أن هذا التنوع يعزز قدرتها على التعامل مع التحولات التي يشهدها الاقتصاد العالمي، في سوق طاقوية تتسم بتزايد المنافسة وتغير أنماط الطلب.
وتتضمن أهمية هذه الحركية على المحروقات التقليدية، وتمتد إلى التحولات التي يشهدها قطاع الطاقة عالميا، خاصة الطاقات المتجددة والهيدروجين والتكنولوجيات النظيفة؛ لأن الجزائر تمتلك إمكانات معتبرة في مجال الطاقة الشمسية، إلى جانب خبرتها في الغاز الطبيعي.. هذا الزخم يعكس حقيقة راسخة تتمثل في أن “سوناطراك” تمتلك كفاءات بشرية وتقنية عالية، وكذا انفتاحها على الاستثمار لتطوير وتحقيق المزيد من الاكتشافات الجديدة في وقت قياسي. وعلى ضوء كل ذلك أصبحت الشراكات الاستراتيجية ضرورة حتمية.
كيف ترون الدور المستقبلي للجزائر في تأمين إمدادات الطاقة لأوروبا، وفي الوقت نفسه تعزيز الاستقرار والتنمية في عمق القارة الإفريقية؟
بالنسبة لأوروبا، تمثل الجزائر شريكا موثوقا وقريبا جغرافيا، ولقد أثبتت الجزائر وفاءها بالتزاماتها حتى في أحلك الظروف، كما حدث خلال “العشرية السوداء”، حيث لم تتوقف إمدادات الطاقة.. في الوقت الراهن، تغطي الجزائر نسبة استراتيجية تصل إلى 40 بالمائة من احتياجات بعض الأسواق الأوروبية الرئيسية في فترات الذروة.
وفي ظل لجوء أوروبا للغاز الطبيعي المسال القادم من بعض الدول بأسعار مرتفعة، تبقى الجزائر الخيار الأمثل من حيث التكلفة والقرب، كما أن هناك طاقات استيعابية غير مستغلة منها 20 بالمائة في وحدات التسييل، وحوالي 12 مليار متر مكعب من السعة الفارغة في خط أنابيب الغاز العابر للبحر الأبيض المتوسط TransMed مع إيطاليا.. من جهة أخرى، أبدى الاتحاد الأوروبي استعداده لدعم مشاريع الهيدروجين عبر آليات التمويل المناخي “مثل بنك الاستثمار الأوروبي” ودعم دراسات الجدوى.
أما بالنسبة لإفريقيا، فيجب ذكر ركيزتين أساسيتين.. يتعلق الأمر بالأمن والاستقرار الإقليمي، ودعم دول الجوار باعتبار أنه في صلب الأمن الوطني الجزائري؛ لأن تنمية الساحل اقتصاديا تعني استقراره، وفي الوقت نفسه، تحمي الجزائر من تداعيات الهجرة غير الشرعية ومخاطر الإرهاب.. كذلك تجديد الاحتياطات الطاقوية، أما التعاون مع دول صديقة مثل نيجيريا والنيجر، فهو تعاون تبادلي المنفعة، ونذكر أن مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء الرابط بين الجزائر ونيجيريا مرورا بالنيجر والذي بدأت دراساته الأولية منذ عام 2005، يمضي قدما حيث تقدمت أشغال انجازه كثيرا، ويسمح للجزائر بالحصول على حصة 50 من الغاز المكتشف، ما يشكل احتياطيا استراتيجيا جديدا، وفي نفس الوقت يمنح الدول الصديقة عوائد تنموية.
في ظل التحوّلات المتسارعة التي يشهدها قطاع الطاقة عالميا، كيف تقيمون الآفاق الاقتصادية للهيدروجين باعتباره أحد الخيارات الاستراتيجية لتنويع مصادر الطاقة وتعزيز أمن الإمدادات؟ وفي ضوء المقومات التي تمتلكها الجزائر، كيف ترون الدور المستقبلي للجزائر في تطوير الطاقة النظيفة والمساهمة في بناء السوق الدولية؟
يحظى الهيدروجين في الوقت الحالي باهتمام عالمي متزايد، مدفوعا بالتحولات العميقة التي يعرفها قطاع الطاقة، وبحث الدول عن حلول مستدامة لتنويع مصادر الإمدادات وتعزيز أمنها الطاقوي. وإذا كانت تكلفة الإنتاج والتحديات التكنولوجية قد شكلت في السابق عاملا مؤثرا في وتيرة تطوير هذه الطاقة بالعالم، فإن التقدم التقني وتطور تكنولوجيات الطاقات المتجددة، إلى جانب التحولات الجيوسياسية والاقتصادية، أعاد الهيدروجين إلى صدارة الخيارات الاستراتيجية المطروحة لمستقبل الطاقة.. ولقد أظهرت الأزمات المتعاقبة، بدءا من تداعيات جائحة كوفيد-19 وصولا إلى الاضطرابات التي مست سلاسل الإمداد والممرات التجارية الدولية، أهمية تنويع مصادر الطاقة وعدم الاعتماد على مسارات محدودة للتموين، كما أن التحولات التي تشهدها الأسواق العالمية، وتزايد احتياجات الاقتصادات الصناعية إلى طاقة موثوقة وتنافسية، عززت التوجه نحو تطوير حلول جديدة، من بينها الهيدروجين، الذي يمكن أن يؤدي دورا مهما في إزالة الكربون من قطاعات صناعية يصعب تلبية احتياجاتها بالكهرباء وحدها.
من الناحية الاقتصادية، ترتبط جدوى الهيدروجين بقدرته على خفض تكاليف الإنتاج والنقل والتخزين، وتطوير البنية التحتية اللازمة لتسويقه على نطاق واسع. ويظل الهيدروجين الأخضر، المنتج باستخدام الكهرباء المتجددة، خيارا استراتيجيا واعدا، خصوصا مع تراجع تكاليف بعض التكنولوجيات النظيفة وتطور كفاءة المحللات الكهربائية. غير أن تحقيق التنافسية التجارية يتطلب توافر الكهرباء المتجددة بأسعار مناسبة، وتطوير سلاسل القيمة، وإبرام عقود طويلة الأجل تضمن استقرار الطلب وتقلص مخاطر الاستثمار.
في هذا الإطار، تبرز الجزائر باعتبارها بلدا يمتلك مقومات مهمة تؤهله للمساهمة بفاعلية في تطوير سوق الهيدروجين، بالنظر إلى إمكاناتها الكبيرة في الطاقة الشمسية، وخبرتها الممتدة لعقود طويلة في قطاع المحروقات، وشبكات نقل الغاز والبنية التحتية الطاقوية التي يمكن أن تشكل قاعدة لتطوير مشاريع جديدة، وفق المتطلبات التقنية والاقتصادية، كما يمنحها موقعها الجغرافي القريب من الأسواق الأوروبية ميزة استراتيجية لتطوير شراكات تستهدف إنتاج الهيدروجين ومشتقاته ونقلها وتسويقها.
وتكمن أهمية التوجه الجزائري في الاستفادة من الخبرة المتراكمة في قطاع الغاز لبناء منظومة طاقوية أكثر تنوعا، تجمع بين المحافظة على مكانتها كمورد موثوق للطاقة وتطوير مصادر جديدة تتماشى مع التحولات العالمية. كما يتيح هذا المسار فرصا لاستقطاب الاستثمارات الأجنبية، وتوطين التكنولوجيا، وتطوير الكفاءات الوطنية، وإنشاء صناعات مرتبطة بالهيدروجين ومشتقاته، بما يعزز القيمة المضافة للاقتصاد الوطني.
إن أهداف الآفاق القادمة تشمل تلبية احتياجات الأسواق الخارجية، وفي نفس الوقت تمتد إلى دعم التحول الصناعي في الجزائر، من خلال إمكانية استخدام الهيدروجين في قطاعات مثل الحديد والصلب والأسمدة والصناعات الكيميائية، بما يفتح المجال أمام تطوير منتجات ذات قيمة مضافة أعلى وتعزيز تنافسيتها في الأسواق الدولية.
يمكن القول إن الجزائر أمام فرصة استراتيجية لتوظيف إمكاناتها الطبيعية وخبرتها الطاقوية وموقعها الجغرافي من أجل ترسيخ مكانتها ضمن الخريطة الناشئة للهيدروجين عالميا.. ومن الضروري الانتقال من الرؤية الاستراتيجية إلى مشاريع قابلة للتنفيذ اقتصاديا، مدعومة باستثمارات مستدامة وشراكات تكنولوجية فعالة. وبذلك يمكن للهيدروجين أن يشكل رافدا جديدا للتنويع الاقتصادي، وأن يعزز دور الجزائر كقوة طاقوية إقليمية قادرة على مواكبة التحولات العالمية والمساهمة في تأمين احتياجات شركائها من الطاقة مستقبلا.
كيف يمكن توظيف الهيدروجين في دعم النسيج الصناعي المحلي؟
يعد الهيدروجين طاقة المستقبل بامتياز، وعلى الصعيد المحلي نستخدم حاليا ما يعرف بـ«الهيدروجين الرمادي” المستخرج من الغاز الطبيعي في صناعات معينة مثل إنتاج الميثانول. لكن التوجه الاستراتيجي في الوقت الحالي ينصب على تطوير “الهيدروجين الأخضر”، وينبغي الإشارة أنه منذ عامين إلى ثلاثة أعوام، بدأت تظهر مشاريع تجريبية تهدف إلى إنتاج “الحديد النظيف” باستخدام الهيدروجين في الصناعات المعدنية. والهدف الاستراتيجي هو تعميم وتطوير هذه التقنيات لتوظيف الهيدروجين الأخضر في الصناعات الثقيلة المحلية، لا سيما صناعات الصلب والبتروكيمياء، مما يعزز من تنافسية المنتج الجزائري ويقلل من البصمة الكربونية للقطاع الصناعي.
من منظور الجدوى الاقتصادية، ما هو الخيار الأمثل لنقل الهيدروجين الجزائري إلى الأسواق الأوروبية.. هل عبر شبكات الأنابيب القائمة أم بناء بنى تحتية جديدة؟
إن الخيار الأكثر جدوى اقتصاديا هو إعادة تأهيل واستخدام شبكات أنابيب الغاز القائمة حاليا. لأن بناء خطوط أنابيب جديدة مخصصة للهيدروجين تمتد من الجزائر مرورا بتونس وإيطاليا وصولا إلى النمسا وألمانيا، يتطلب استثمارات ضخمة قد تتجاوز 15 مليار دولار.. في المقابل، تشير الدراسات الأولية إلى إمكانية استخدام نحو 65 بالمائة من شبكات الأنابيب الحالية لنقل الهيدروجين بعد إجراء التعديلات اللازمة. ويتم حاليا إعداد دراسة شاملة من المتوقع أن تكتمل في عام 2027، لتحديد الجدوى الفنية الدقيقة واختيار الآلية الأنسب، مع العلم أن كلا الخيارين يتطلبان وقتا واستثمارات مدروسة.
كيف يمكن تحويل هذا التحوّل الطاقوي إلى رافعة للتنمية الصناعية الوطنية، وضمان استفادة الاقتصاد الجزائري من هذه المشاريع الهامة؟
البعد الصناعي هو جوهر التحول، والجزائر مقبلة على إنشاء وحدات ضخمة للطاقة الكهروضوئية، مما يتطلب اتفاقا وتفاهما استراتيجيا مع الشركاء الأجانب لتصنيع هذه المعدات محليا.. أما في المرحلة الأولى، يمكن استيراد أجهزة التحليل الكهربائي للماء “الإلكتروليزر”، لكن الهدف الاستراتيجي يجب أن يكون نقل التكنولوجيا لإقامة صناعة وطنية لهذه الأجهزة.
هذا النهج يحقق مكاسب متعددة، من بينها خلق فرص عمل حقيقية وتعزيز التكامل الصناعي الوطني، وهو أمر حيوي، وجلب العملة الصعبة، خاصة في ظل الحاجة المستقبلية لتنويع مصادر الدخل بعيدا عن الاعتماد الكلي على الطاقة التقليدية، لكن هذا مرهون بدور إيجابي حقيقي من الشركاء الأجانب، من خلال جلب رأس المال والتكنولوجيا.
ما الدور الذي تلعبه منصة مثل “معرض ومؤتمر شمال إفريقيا للبترول.. ناباك” الجزائرية السنوية في جذب كبرى الشركات العالمية وتسهيل نقل التكنولوجيا؟
«ناباك” فضاء تنظيميا ناجحا ومتناميا عاما بعد عام. لقد تحول هذا الحدث إلى منصة استراتيجية حيوية تلتقي فيها الشركات العالمية الكبرى، والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة الجزائرية، والخبراء لمناقشة القضايا الاستراتيجية للقطاع.
وفي الماضي، كانت “سوناطراك” تنظم “الأيام العلمية” كفضاء رئيسي للقاءات التقنية. وبرزت بعدها منصة “ناباك” الجزائرية كملتقى سنوي وحيد ومحوري في مجال المحروقات. وما يقدمه للجزائر هو تسليط الضوء على فرص الاستثمار، وتوضيح الإطار القانوني الجديد، وتعريف المستثمرين الأجانب بالشركات الوطنية الشريكة، مما يسهل بناء علاقات تجارية وصناعية متينة.





