في ذاكرة الأمم أيامٌ لا يطويها الزمن، لأنها ليست مجرد صفحات من الماضي، بل شواهد على حقيقة الشعوب، ومرايا تعكس معدنها في المحن، وعلامات مضيئة تهتدي بها الأجيال في مسيرتها نحو المستقبل. ويظلّ السابع عشر من أكتوبر 1961 واحدا من تلك الأيام التي اختزلت مأساة الاستعمار الفرنسي، وكشفت – في الآن ذاته – عن عمق الثورة الجزائرية، وعن شعب لم تكن المسافات لتفصل بين أبنائه، ولا القمع ليطفئ جذوة حريته، ولا المنافي لتنتزع منه انتماءه لوطنه.
في ذلك المساء الحزين، خرج آلاف الجزائريين في شوارع باريس، نساء ورجالا، حاملين مطلبهم المشروع في الحرية والكرامة، ومعبّرين عن رفضهم إجراءات الحظر التمييزية التي استهدفت الجزائريين المقيمين في فرنسا. وكانوا، وهم يسيرون في قلب عاصمة الدولة الاستعمارية، يحملون الجزائر في وجدانهم، والثورة في ضمائرهم، والاستقلال في أفق نضالهم.
لكن الرد الاستعماري جاء عنيفا ودمويا؛ إذ واجهت الشرطة الفرنسية المتظاهرين بقمع وحشي، تحت سلطة محافظ شرطة باريس آنذاك، موريس بابون، فشهدت العاصمة الفرنسية اعتقالات جماعية واعتداءات مروّعة، وسقط جزائريون قتلى، فيما أُلقي آخرون في مياه نهر السين، وغُيّب مصير عدد من الضحايا لسنوات طويلة، في ظلّ ما أحاط بهذه الجريمة من تعتيم وإنكار. وقد ظلّ العدد الدقيق للقتلى موضع اختلاف بين الدراسات والتقديرات التاريخية.
ولم يكن موريس بابون غريبا عن الجزائر، ولا عن أساليب الإدارة الاستعمارية في إخضاع الجزائريين بالقوة؛ فقد تولّى منصب عامل (والي) قسنطينة بين عامي 1949 و1951 مستعينا بالباشاغا تواتي، ثم عاد إليها سنة 1956، “كسوبر والي” مكلّفا، إلى جانب مهامه، بتنسيق ومراقبة عمل السلطات المدنية والعسكرية في ولايات الشرق الجزائري، بما شمل منطقة الأوراس التي كانت من أبرز معاقل الثورة التحريرية، وفي تلك المرحلة، ارتبطت أجهزة القمع والتحقيق في المنطقة بممارسات التعذيب والانتهاكات الجسيمة التي وثّقتها دراسات تاريخية عن حرب التحرير.
ومن هنا، فإن ما شهدته باريس في السابع عشر من أكتوبر 1961 لا يمكن فصله عن سجل القمع الاستعماري في الجزائر؛ فقد انتقلت إلى قلب العاصمة الفرنسية أساليب عنيفة خبرها الجزائريون في أرضهم، وتجلّت مرة أخرى عقلية استعمارية لم تتقبّل إرادة الشعب الجزائري في الحرية والسيادة، وسعت إلى إخضاعه بالقوة أينما وجد. تغيّرت الجغرافيا، من الشرق الجزائري إلى شوارع باريس وضفاف السين، لكن جوهر المواجهة ظلّ واحدا: شعب يطالب بحقّه المشروع في الحرية والكرامة، وسلطة استعمارية تواجه تطلعه بالعنف والتنكيل ومحاولات طمس الحقيقة.
وهكذا، غدت مجزرة السابع عشر من أكتوبر شاهدا آخر على وحدة معركة التحرير، وعلى أن الجزائريين في المهجر لم يكونوا بعيدين عن ثورة وطنهم، بل كانوا في قلبها، يحملون قضيتها ويواجهون، مثل إخوانهم في الداخل، آلة استعمارية واحدة. وإذا كان موريس بابون قد أشرف على القمع في باريس، فإن التاريخ أبقى جريمته شاهدا على فشل العنف في إخماد إرادة الشعوب، وعلى أن الحقيقة قد يطول حجبها، لكنها لا تسقط بالتقادم من ضمير الأمم.
ومن بين الأسماء التي تستحضرها الذاكرة الوطنية في سياق تلك المأساة، اسم الشهيدة فاطمة بدار، الفتاة الجزائرية التي لم تتجاوز الخامسة عشرة من عمرها، وعُثر على جثمانها في مياه السين في الحادي والثلاثين من أكتوبر 1961.. إن استحضار اسمها ليس مجرد وفاء لروح ضحية، بل هو استحضار لجيل كامل حُرم من حقه في الحياة، لأن الاستعمار لم يكن يواجه مطالب شعب بالحرية فحسب، بل كان يحاول إخضاع إرادة أمة بأكملها.. هذا، ولم تكن جريمة السابع عشر من أكتوبر حادثا معزولا عن طبيعة النظام الاستعماري، ولا منفصلة عن مسار حرب التحرير الوطنية؛ فقد جاءت في مرحلة كانت فيها الثورة قد كسّرت كثيرا من أوهام القوة الاستعمارية، وفرضت القضية الجزائرية على الضمير الدولي، وأثبتت أن إرادة الشعوب لا يمكن محاصرتها بالأسلاك الشائكة، ولا إخضاعها بقوانين التمييز، ولا إخمادها بالعنف مهما بلغ.
ولعلّ استحضار السياق الذي سبق مجزرة السابع عشر من أكتوبر 1961 يقتضي التوقف عند المسار الاستعماري لموريس بابون الذي لم تكن ممارساته في باريس منفصلة عن المهام التي اضطلع بها في الجزائر.
فقد تولّى عمالة قسنطينة للمرة الأولى بين عامي 1949 و1951، ثم عاد إليها سنة 1956، عاملا ومفتشا عاما للإدارة في مهمة استثنائية شملت الشرق الجزائري، ومكلفا بتنسيق عمل السلطات المدنية والعسكرية، بما فيها القيادة المدنية والعسكرية للأوراس.
وفي هذه المرحلة التي صعّدت فيها السلطات الاستعمارية حربها على الثورة، ارتبط اسمه بتشديد الرقابة على الحركة الوطنية وملاحقة المجاهدين، في ظلّ تطبيق ما عُرف بقانون السلطات الخاصة، الذي وسّع صلاحيات الإدارة الاستعمارية وأجهزتها القمعية.. وتشير معطيات تاريخية إلى استعانة بابون بأعوان محليين، من بينهم الباشاغا تواتي، في تتبع الثوار، وإلى ارتباط هذا الأخير بمحاولات استهداف الشهيد مصطفى بن بولعيد..
ولم يقتصر مسار بابون على الجزائر، إذ شغل بين عامي 1954 و1955 منصب الأمين العام للحماية الفرنسية بالمغرب، وفي امتداد هذا المسار، تبرز أيضا قضية الطابور المغربي الذي شارك في حملات الجيش الفرنسي خلال الحرب العالمية الثانية، الذي تمّ حلّه في أعقاب الحرب العالمية، ثم إعادة بعثه وتوجيه وحداته إلى الجزائر سنة 1955، عقب العودة من الهند الصينية، ليشارك في العمليات العسكرية ضد الثورة التحريرية، ولا سيما في منطقة الأوراس.. وقد ارتبط اسم الجنرال غاستون بارلونج بهذا الطابور خلال الحرب العالمية الثانية، خلال توليه مسؤوليات عسكرية في الأوراس -النّمامشة، في سياق الحرب الاستعمارية على الجزائر.
وتكتسب هذه المحطة أهميتها من كونها تكشف عن تعدّد الأدوات البشرية والعسكرية التي سخّرتها فرنسا لمواجهة الثورة، وعن انتقال بعض القيادات والوحدات بين ساحات الصراع الاستعماري، من المغرب والهند الصينية إلى الجزائر. وفي ضوء ذلك، تندرج مسؤوليات موريس بابون في المغرب ثم في الجزائر وباريس ضمن مسار إداري وأمني أوسع، تتعدّد ساحاته وتتقاطع أدواته، فيما ظلّ هدفه مواجهة حركات التحرّر ومحاصرة امتدادها الشعبي والوطني.
قبل أن يتولى رئاسة شرطة باريس سنة 1958، حيث أشرف على الجهاز الأمني خلال المرحلة التي شهدت قمع المهاجرين الجزائريين ومظاهرات السابع عشر من أكتوبر 1961.. وتزداد هذه الخلفية دلالة عند استحضار ما تذكره بعض المعطيات بشأن استمرار صلات الباشاغا تواتي بأوساط الإدارة الفرنسية، حيث عمل بإدارة منطقة بوردو بفرنسا، وذلك خلال فترة تولي بابون مسؤولية شرطة باريس، فضلا عن الروابط التي جمعت مسؤولين فرنسيين وشخصيات نافذة في المغرب، من بينها الباشا التهامي الكلاوي، في سياق الصراع الذي انتهى بإبعاد السلطان محمد الخامس سنة 1953.. وهكذا تتكشف، عبر هذه المحطات، ملامح منظومة استعمارية تجاوزت الحدود الجغرافية، وتعدّدت أدواتها الإدارية والأمنية والمحلية، لكنها التقت عند غاية واحدة: محاصرة حركات التحرر وإخماد إرادة الشعوب في تقرير مصيرها.
ولم تكن مظاهرات السابع عشر من أكتوبر 1961 بباريس حدثا معزولا عن المسار العام للثورة التحريرية، بل كانت وجها آخر لانتفاضة شعبية امتدت جبهاتها بين الداخل والمهجر، وتكاملت فيها التضحيات من أجل غاية واحدة هي استعادة السيادة الوطنية.
فقبل ذلك بنحو عام، كانت مظاهرات الحادي عشر من ديسمبر 1960 قد دوّت في شوارع المدن الجزائرية، مؤكدة أن الثورة لم تكن فعل نخبة أو مواجهة عسكرية فحسب، بل إرادة شعب بأكمله، خرج ليعلن تمسّكه بالاستقلال ورفضه كل محاولات الالتفاف على حقه في تقرير مصيره.
وفي باريس، حمل الجزائريون الرسالة ذاتها إلى قلب العاصمة الاستعمارية، فواجهوا القمع بصدور عارية وإرادة لم تنكسر، ودفعوا من دمائهم ثمن الوفاء لوطنهم. وظلت مياه نهر السين شاهدة على تلك الجريمة، إلى أن أعادت الذاكرة الوطنية استحضار ضحاياها في مشهد بالغ الدلالة، حين ألقى أفراد من الوفد الرياضي الجزائري، خلال حفل افتتاح الألعاب الأولمبية بباريس في السادس والعشرين من يوليو 2024، ورودا في النهر تكريما لأرواح الجزائريين الذين قضوا فيه قبل أكثر من ستة عقود. لم تكن الورود مجرد لفتة رمزية عابرة، بل رسالة وفاء من جزائر الاستقلال إلى شهداء الأمس، وإعلانا بأن الذاكرة لا تمحوها العقود، وأن ما عجز القمع عن إسكاته لن يطويه النسيان.
وهكذا التقت في مشهد واحد ذاكرة الشهداء بإرادة الأحياء، وتحوّلت ضفاف السين من شاهد على الجريمة إلى فضاء لاستعادة الحقيقة وتجديد العهد: لن ننسى تضحيات الذين مهّدوا بدمائهم طريق الحرية، ولن تنفصل الجزائر المستقلة عن تاريخ كفاح شعبها، أينما امتدت جبهاته وتعدّدت ميادينه.
ثورة واحدة.. جبهة واحدة ووطن واحد
لقد علّمتنا الثورة التحريرية أن الجزائر لم تكن يوما مجرد رقعة جغرافية تحدّها حدود، بل كانت قضية جامعة حملها أبناؤها أينما وجدوا. ففي الداخل، واجه الشعب آلة الحرب الاستعمارية، واحتضن المجاهدين، وقدّم الشهداء، وصبر على المحن، وحوّل القرى والمدن والجبال إلى فضاءات للمقاومة والتضحية. وفي المهجر، ولا سيما في فرنسا، خاض الجزائريون معركة أخرى لا تقل أهمية، من خلال التنظيم السياسي، وتعبئة الجالية، وإسناد الثورة، والتعريف بالقضية الوطنية، وتحمّل أعباء النضال في ظروف قاسية من المراقبة والاضطهاد.
وهكذا، لم تكن مظاهرات السابع عشر من أكتوبر 1961 سوى إحدى الصور البليغة لذلك الالتحام الوطني؛ إذ انتقلت الثورة، بأهدافها ومطالبها، إلى قلب الدولة الاستعمارية نفسها، لتؤكد أن الجزائريين، وإن فرّقت بينهم المسافات، تجمعهم وحدة المصير، وأن مناضلا في المهجر كان جزءا من معركة يخوضها أخوه في الداخل، وأن تضحيات الاثنين كانت تصبّ في مجرى تاريخي واحد: تحرير الجزائر واستعادة سيادتها.
لقد تكاملت، في مسيرة التحرير، تضحيات المجاهدين في الجبال والمدن، وصمود الشعب في القرى والأرياف، ونضال العمال والطلبة والنساء، وجهود ممثلي الثورة في الخارج، وتضحيات أبناء الجالية الجزائرية الذين جعلوا من مواقع عملهم وإقامتهم امتدادا لساحة الكفاح الوطني.
ومن هنا، فإن الدرس الأعمق الذي نستخلصه من السابع عشر من أكتوبر هو أن الوحدة الوطنية لم تكن شعارا رفعته الثورة فحسب، بل كانت ممارسة يومية وتضحية مشتركة، وأن قوة الجزائريين استمدت جانبا أساسيا من قدرتهم على تجاوز المسافات والفوارق، والالتقاء حول القضية التي لا تعلوها قضية: استقلال الوطن.
الذاكرة الوطنية.. وفـــاء للشهداء ومسؤوليـة تجـاه الأجيال
إن تخليد هذه الذكرى لا ينبغي أن يقتصر على استعادة مشاهد الألم، مهما كانت قسوتها، ولا أن يتحوّل إلى طقس سنوي تستعيد فيه الكلمات معانيها ثم تنصرف. فالذاكرة الوطنية الحية هي التي تحوّل الشهادة إلى وعي، والتاريخ إلى معرفة، والتضحية إلى مسؤولية، وتستخلص من أحداث الماضي ما يعين الحاضر على فهم تحدياته، ويمنح المستقبل مقومات الثبات والاستمرار.
ولقد عانت مأساة 17 أكتوبر 1961 طويلا من التعتيم والإنكار، قبل أن تتقدم جهود المؤرخين والشهود والعائلات، وتنكشف جوانب واسعة من حقيقتها. وهو ما يذكّرنا بأن صيانة الذاكرة ليست أمرا تلقائيا؛ بل تحتاج إلى إرادة مؤسسية، وإلى توثيق علمي، وإلى نقل أمين للوقائع، وإلى تربية الأجيال على قراءة التاريخ بعيدا عن النسيان والتشويه والاختزال.
وإننا، ونحن نستحضر أرواح الشهداء، لا نملك إلا أن نؤكد أن الوفاء لهم يبدأ بحفظ أسمائهم، وتوثيق مآثرهم، وتعريف الناشئة بما بذلوه من أجل أن تعيش الجزائر حرة سيدة. فالأمم التي تعرف تاريخها، وتدرك كلفة حريتها، تكون أقدر على حماية مكتسباتها، وأشد وعيا بما يترتب على الاستقلال من واجبات، وما تفرضه السيادة من يقظة وعمل وإخلاص.
إن التاريخ لا يطلب من الأجيال اللاحقة أن تعيش في الماضي، بل أن تستمد منه البوصلة التي تهتدي بها في الحاضر. وليس المطلوب أن نكرّر مآسي الأمس، وإنما أن نستوعب أسبابها ودروسها، وأن نحصّن وطننا من كل ما يضعف تماسكه، وأن نرسخ في نفوس أبنائنا قيمة التضامن الوطني، واحترام مؤسسات الدولة، والاعتزاز بالانتماء الجزائري، والتمسك بالثوابت التي التف حولها الشعب خلال ثورته المجيدة.
من ذاكرة نوفمبر إلى رهانات التجديد الوطني
إن تخليد السابع عشر من أكتوبر، إلى جانب سائر المحطات المفصلية في تاريخنا الوطني، يكتسب أهمية خاصة حين نربطه بمسؤوليتنا في بناء الحاضر واستشراف المستقبل. فالثورة التحريرية لم تكن غايتها استرجاع الأرض والسيادة فحسب، وإن كان ذلك أعظم إنجازاتها، بل كانت أيضا تعبيرا عن تطلّع شعب إلى إقامة دولته، وتحرير طاقاته، وصون كرامته، والتحكم في مصيره.
ومن هذا المنظور، فإن تثبيت الذاكرة الوطنية في الوعي الجماعي يشكل ركيزة من ركائز التجديد الوطني؛ لأن التجديد الذي ينقطع عن جذوره يفقد مرجعيته، والمستقبل الذي لا يستوعب دروس الماضي يظلّ عرضة لتكرار أخطائه. وليس التجديد الوطني قطيعة مع التاريخ، بل هو امتداد خلاق لقيمه، وتجسيد معاصر لمبادئه، واستجابة لمتطلبات كل مرحلة بما تقتضيه من معرفة وعمل ومبادرة.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية العناية التي يوليها السيد رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، لترسيخ الذاكرة الوطنية، وتثمين محطاتها التاريخية، وتخصيص مناسبات وطنية لاستحضار صفحاتها المضيئة والمؤلمة على السواء. وقد أسهم إقرار يوم وطني للهجرة، تخليدا لذكرى ضحايا مظاهرات السابع عشر من أكتوبر 1961، في تثبيت هذه المحطة ضمن الوعي الوطني، بما تحمله من معانٍ تتجاوز حدود الاستذكار إلى استخلاص العبر وتعزيز الارتباط بتاريخ الكفاح الوطني.
إن هذه المقاربة تكتسب دلالتها من كون الذاكرة ليست شأنا احتفاليا منفصلا عن حاضر الدولة، بل عنصرا من عناصر بناء الشخصية الوطنية، ومصدرا لتعزيز الانتماء، وجسرا يصل الأجيال بعضها ببعض.
وإذا كانت الثورة قد وحّدت الجزائريين حول هدف التحرير، فإن مسؤولية الحاضر تقتضي أن نلتقي حول أهداف البناء والتجديد، وأن نجعل من وحدة الجبهة الوطنية أساسا لمواجهة التحديات، ومن الثقة في مؤسسات الجمهورية ركيزة للاستقرار، ومن العمل والإتقان والنزاهة والإخلاص معايير حقيقية لخدمة الوطن. فتلك هي المعاني التي تمنح الذاكرة التاريخية وظيفتها الحية، وتجعل الوفاء للشهداء التزاما يتجدّد في ميادين العمل والإنتاج والعلم والتنمية.
ولا يمكن تحصين الجبهة الوطنية بمجرد استدعاء أمجاد الماضي، كما لا يمكن بناء المستقبل بتجاهلها؛ إنما يتحقق ذلك حين تتحوّل دروس الثورة إلى ثقافة مواطنة، وإلى وعي بالمصلحة العليا للبلاد، وإلى استعداد لتقديم المصلحة الوطنية على الحسابات الضيقة، وإلى إيمان بأن الجزائر، بما تملكه من تاريخ وإمكانات وطاقات بشرية، قادرة على مواصلة مسارها بثبات وثقة.
الجزائـر أمانـة الشهـــداء ومسؤوليـة الأحيـاء
إن السابع عشر من أكتوبر 1961 يضعنا أمام حقيقة لا تتقادم: لقد انتصر الشعب الجزائري بإرادته، وبوحدته، وبقدرته على تحويل المحنة إلى قوة، والتضحية إلى مشروع للتحرر. ولم يكن ذلك النصر وليد لحظة عابرة، بل ثمرة مسار طويل من الكفاح، شارك فيه الجزائريون في الداخل والمهجر، وتكاملت فيه التضحيات، حتى أشرقت شمس الاستقلال في الخامس من يوليو 1962.
واليوم، وبعد عقود من استعادة السيادة الوطنية، تتجدّد أمامنا مسؤولية الوفاء لذلك الإرث؛ لا بالبكاء على الشهداء وحده، ولا بالاكتفاء بترديد الشعارات، وإنما بصون وحدة الجزائر، وحماية استقلال قرارها، وتعزيز مؤسساتها، والارتقاء بأدائها، وفتح آفاق أوسع أمام أبنائها، حتى يظل الوطن الذي ضحّى من أجله الشهداء وفيا لآمالهم وتطلعاتهم.
إن أبناء الجزائر في المهجر يظلون، هم أيضا، جزءا أصيلا من نسيجها الوطني، بما يحملونه من ارتباط بالوطن، وما يملكونه من خبرات وكفاءات وإمكانات يمكن أن تسهم في نهضته. وكما كان الجزائريون في المهجر سندا لثورة التحرير، فإن صلة الوطن بأبنائه في الخارج، وتعزيز ارتباطهم به، يظلان من روافد قوته في الحاضر والمستقبل، في إطار من المواطنة والاحترام المتبادل وخدمة المصالح العليا للبلاد.
وفي ذكرى السابع عشر من أكتوبر، ننحني إجلالا لأرواح شهدائنا الأبرار، ونستحضر أولئك الذين سقطوا في شوارع باريس، والذين ابتلعتهم مياه السين، والذين غيّبهم القمع والتعتيم، لكنهم ظلوا أحياء في ضمير الجزائر وذاكرتها. ونجدّد العهد على أن تظلّ تضحياتهم جزءا من الوعي الوطني، وأن تنتقل حقيقتها إلى الأجيال بأمانة، وأن يكون استقلال الجزائر وسيادتها ووحدتها وتقدمها أسمى ما نلتقي حوله.
لقد أراد الاستعمار أن يجعل من المسافة حاجزا بين الجزائري ووطنه، فإذا بالمسافة تتحوّل إلى جبهة أخرى للكفاح؛ وأراد أن يجعل من القمع وسيلة لإخضاع الإرادة، فإذا بالدماء الزكية تزيد مطلب الحرية رسوخا؛ وأراد أن يطوي الجريمة بالصمت، فإذا بالذاكرة تحفظ أسماء الضحايا وتعيدها إلى التاريخ.






