شواهــــد جنائزيـــــة تــروي رحلــــة الإنســـان منـــذ ما قبــل التاريـــــخ
على امتداد الهضاب العليا لولاية الجلفة، حيث تمتد الأرض في سكون واسع تتخلّله تضاريس صخرية صلبة نحتها الزمن ببطء شديد، يبرز موقع “كاف الدشرة” كأحد الفضاءات الأثرية التي تبدو وكأنها ما تزال عالقة في لحظتها الأولى منذ آلاف السنين.
في هذا المكان، يدخل الزائر إلى فضاء تتقاطع فيه الذاكرة الإنسانية الأولى مع صمت الطبيعة، حيث تتحول الحجارة إلى علامات دالة على حضور بشر قديم واجه فكرة الموت بطريقته الخاصة، وترك خلفه هندسة جنائزية ما تزال قائمة رغم تعاقب الأزمنة. وبين الكتل الحجرية المنتشرة فوق الهضبة، تتشكّل معالم جنائزية صامتة حافظت على توازنها وانتظامها رغم ما تعرّضت له من عوامل طبيعية قاسية.
يقع موقع “كاف الدشرة” على بعد نحو 9 كيلومترات شمال غرب عاصمة ولاية الجلفة، في منطقة تتداخل فيها الطرق الحديثة مع مسارات تاريخية قديمة، بين امتداد الطريق الوطني وخط السكة الحديدية القديم.
يضم الموقع واحد وثلاثين معلما جنائزيا، ما يجعله من أبرز النماذج المعروفة للعمارة الجنائزية في المنطقة، وهو ما أكسبه مكانة خاصة ضمن الدراسات الأثرية المحلية. كما يُعرف الموقع عند السكان المحليّين باسم “بنيان الجهلاء”، وهو اسم شعبي يعكس حالة الغموض التي ما تزال تحيط بنشأته وبطبيعته الحجرية الصامتة.
وتشير المعطيات الأثرية إلى أنّ الهضاب العليا شكّلت منذ عصور ما قبل التاريخ فضاء لنشاط الإنسان القديم، حيث تعكس المعالم الجنائزية تطورا تدريجيا في تصوّر الموت وممارساته. فانتقال الدفن من أشكال بسيطة إلى بناءات حجرية منظمة يدل على بعد رمزي واجتماعي متطور نسبيا. كما يظهر أنّ اختيار مواقع الدفن لم يكن عشوائيا، بل مرتبطا بعلاقة الإنسان بالمجال الطبيعي المحيط به، غير أنّ محدودية الحفريات والدراسات الميدانية الدقيقة تجعل فهم التسلسل الزمني لهذه المعالم غير مكتمل، ممّا يبرز الحاجة إلى أبحاث أعمق تعتمد مناهج علمية دقيقة لإعادة قراءة هذا التراث.
حماية قانونية وتصنيف أثري وطني
في قراءة علمية لتنوّع المعالم الجنائزية داخل الموقع، توضّح مسؤولة المواقع الأثرية بالديوان الوطني لتسيير واستغلال الممتلكات الثقافية المحمية بالجلفة، الأستاذة ليلى بن عيسى، أنّ الموقع مصنف كتراث وطني من قبل وزارة الثقافة، وقد صُنف بتاريخ 23 جانفي 1968 وصدر بنفس التاريخ في الجريدة الرّسمية رقم 7، بعنوان “منصّات حجرية مصنفة لفترة ما قبل التاريخ”، وهو ما يمنحه صفة الحماية القانونية ضمن التراث الثقافي الوطني، ويكرّس أهميته كجزء من الذاكرة التاريخية للبلاد.
ويحمل الموقع اسمه الرسمي: “موقع المعالم الجنائزية كاف الدشرة”، ويشكّل فضاء جنائزيا متنوعا يضم واحد وثلاثين معلما أثريا تتوزّع بين قبور وتشكيلات دفنية مختلفة.
تنـــوّع جنائـــزي يعكـــس امتــدادا زمنيـــا عميقـــا
تتمثل أولى المعالم – بحسب إحصاء الديوان الوطني لتسيير واستغلال الممتلكات الثقافية المحمية لولاية الجلفة – في خمسة قبور مشيّدة من بلاطات حجرية مغروسة جزئيا في الأرض.
«القبر الأول” مستطيل الشكل بأبعاد (2.70 م × 1.75 م) وارتفاع يتراوح بين 20 و75 سم، وهو في حالة حفظ متوسّطة. أمّا “القبر الثاني” فيأخذ شكلا مربّعا بمقاس 90 سم وارتفاع يتراوح بين 20 و35 سم، بينما جاء “القبر الثالث” مستطيلا بأبعاد (1.35 م × 1 م) وارتفاع مماثل يتراوح بين 20 و35 سم، وكلاهما في حالة حفظ متوسطة. ويتميّز “القبران الرابع والخامس” بشكل دائري يبلغ قطر كل منهما نحو 6 أمتار وارتفاعا يقارب 30 سم، مع حالة حفظ متوسطة للأول وحسنة للثاني.
كما يضم الموقع جثوتين بسيطتين تتكونان من أكوام من الصخور الضخمة المتراكمة بشكل دائري ومن دون غرف جنائزية، ويبلغ قطر كل منهما نحو 12 مترا وارتفاعهما حوالي 1.30 م، فيما تتراوح أبعاد الحجارة المستعملة في إحدى الجثوتين بين 20 و35 سم. وتوصف حالة الحفظ بالحسنة في الأولى والمتوسطة في الثانية.
ومن بين المعالم اللافتة أيضا، الجثوة ذات الفوهة، وهي عبارة عن كومة حجرية دائرية الشكل بقطر يبلغ 10 أمتار وارتفاع 1.30 م، تنتهي بفتحة علوية تمثل الغرفة الجنائزية، أمّا الفوهة نفسها فجاءت مستطيلة الشكل بأبعاد 1.30 م طولا و72 سم عرضا، غير أنّ هذا المعلم يوجد في حالة حفظ سيئة نسبيا.
معالم بأحجام وأشكال مختلفة
يحتل مجمع الدولمانات مساحة مهمة من الموقع، إذ تم إحصاء 27 دولمانا، والدولمان عبارة عن بلاطات أو أعمدة حجرية مغروسة في الأرض تشكّل قاعدة نصف مربعة أو مستطيلة، تعلوها صخرة ضخمة ميغاليثية تمثل الغطاء.
ويتكون الدولمان رقم 1 من ثلاث بلاطات حجرية بارتفاع 25 إلى 47 سم، تعلوها بلاطة كبرى بطول 1.80 م وعرض 1.35 م وارتفاع 44 سم وسمك 20 سم، وهو في حالة جيدة. أما الدولمان رقم 2 فيقع على بعد 30 مترا جنوب غرب الأول، ويتكون من ثلاث بلاطات بارتفاع 45 إلى 49 سم تعلوها صخرة بطول 2.10 م وعرض 1.40 م وسمك 30 سم، وهو أيضا في حالة جيدة.
وتتواصل المعالم بأحجام وأشكال مختلفة، فالدولمان رقم 3 يتكون من ست بلاطات ويعلوه غطاء حجري بطول 2.60 م وعرض 1.94 م، بينما يضم الدولمان رقم 4 خمس بلاطات وصخرة بطول 2.38 م وعرض 1.54 م. أما الدولمانان 5 و6 فيتشابهان من حيث التكوين العام بثلاث بلاطات لكل منهما، غير أنّ حالة الحفظ حسنة في الأول وسيئة في الثاني.
كما تضم المجموعة دولمانات أكبر حجما مثل الدولمان رقم 8 والدولمان رقم 10، اللذين يعلوهما غطاء حجري بطول 2.75 م وعرض 1.90 م. ويتميّز الدولمانان 9 و11 بكونهما محاطين بدوائر حجرية قطرها نحو 4 أمتار، وهو ما يمنحهما خصوصية معمارية مقارنة ببقية المعالم.
وتتوزّع بقية الدولمانات على الهضبة في اتجاهات مختلفة، إذ تتراوح أعداد البلاطات المشكلة لها بين ثلاث وستّ بلاطات، بينما تتباين أبعاد الأغطية الحجرية من معلم إلى آخر. وتبرز ضمنها الدولمانات 24 و25 و27 المحاطة بدوائر حجرية يتراوح قطرها بين 4 و6 أمتار، ما يشير إلى تنوّع واضح في تقنيات البناء الجنائزي وأنماط التأثيث المعماري للمقابر.
وتكشف حالة الحفظ المسجّلة لهذه المعالم عن تباين واضح، فبعض الدولمانات ما تزال في حالة جيدة أو حسنة وتحافظ على عناصرها الأساسية، في حين تعاني أخرى من تدهور ملحوظ جعلها تصنف ضمن حالة الحفظ المتوسطة أو السيئة.
قيمـــة علميــة.. فـــــرص بحـــــــث وتثمـــين سياحــــي
يعد موقع “كاف الدشرة” مادة علمية مهمة لطلبة التدرّج والدراسات العليا في تخصّص ما قبل التاريخ وصيانة التراث وترميمه، فهو يعكس علاقة مباشرة بين الإنسان القديم والمجال الطبيعي، سواء من خلال التوجيه أو البناء أو اختيار مواقع الدفن.
كما تكشف هذه المعالم عن تنوع ثقافي ومعتقدات جنائزية ما تزال غير مكتملة الفهم، في ظل محدودية الدراسات الميدانية المتخصّصة، وتؤكّد المعطيات أنّ هذا النوع من المواقع يستدعي مزيدا من البحث العلمي لفهم تطور طقوس الدفن عبر الزمن.
وفي هذا الإطار، كشفت مسؤولة المواقع الأثرية الأستاذة ليلى بن عيسى عن مساع للحصول على تراخيص لتنقيبات علمية جديدة من طرف وزارة الثقافة والفنون، وتهدف هذه الخطوة إلى تعميق البحث الأثري حول امتداد هذه المعالم، وفهم تطور أنماط الدفن في المنطقة، خصوصا في الفضاء الصّحراوي وولاية الجلفة.
نحـو إعـــــادة قــــراءة تاريــــخ هـــذه المجتمعــات
قد تساهم هذه الدراسات المستقبلية في إعادة قراءة تاريخ هذه المجتمعات، التي استوطنت الهضاب العليا خلال الفترة الممتدة من ما قبل التاريخ إلى فجر التاريخ.
كما يُدرج الموقع ضمن البرامج الموجّهة لتثمين التراث الثقافي والتعريف به، في إطار مساع لجعله فضاء سياحيا وثقافيا منظما، ويستفيد موقع “كاف الدشرة” من موقعه الجغرافي القريب من مدينة الجلفة ومن غابة “سن الباء”، ما يعزّز إمكانات إدماجه ضمن مسار سياحي ثقافي، وتعمل هذه الجهود على إبراز قيمته التاريخية والعلمية، وربطه بمسارات الترويج الثقافي محليا ووطنيا.






