تدابير صارمة لإنهاء فوضى الأسواق.. والبيع من الفلاح إلى المستهلك
آليات جديدة لامتصاص الفائض ومحاربة الاحتكار.. إنزال ميداني لمتابعة الأسعار
تفكيك شبكات التلاعب بالأسعار.. نظام لامركزي ورقمنة واسعة لرقابة الأسواق
أمر رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، خلال ترؤّسه لاجتماع مجلس الوزراء الأخير، بسلسلة من التدابير الرامية إلى تفادي أي رفع غير مبرّر للأسعار، في في خطوة تهدف إلى حماية القدرة الشرائية للجزائريّين، وضبط السوق الوطنية لمختلف المواد واسعة الاستهلاك، من خلال تفعيل آليات رقابية لضمان استقرار السوق وحماية الفلاح والمستهلك على حدّ سواء.
ترتكز المقاربة على فكرة امتصاص الفائض من الإنتاج خلال فترات الوفرة الكثيفة، والتدخّل بطرحه في الأسواق خلال فترات التراجع، وهي آلية مزدوجة تهدف بالأساس إلى ضبط الأسعار، بما يكفل حماية المستهلك من غلاء المعيشة، وتحصين الفلاح وضمان قدرته على مواصلة الإنتاج بشكل مستقر، وبيع محاصيله بأسعار عادلة.
وفي هذا السياق، شدّد رئيس الجمهورية على ضرورة تطهير هذا المجال الحيوي من المتطفلين ووسطاء البيع، الذين يرفعون الأسعار من خلال عمليات وساطة تهدف غالبا إلى الربح السريع، دون تقديم أي إضافة حقيقية في سلسلة الإنتاج والتسويق، كما أنّ هذا المجال الاستراتيجي، المتعلق بغذاء الجزائريّين، لا يمكن أن يكون مسرحا للربح السريع على حساب القدرة الشرائية، أو على حساب قدرة الفلاح على الاستمرار.
ما يستدعي التوقف، هو التفاوت الكبير في الأسعار بين ما يبيع به الفلاح وما يشتريه المستهلك النهائي، فعلى سبيل المثال، قد يبيع الفلاح بعض المحاصيل بـ40 دينارا جزائريا، لكنها تصل إلى المستهلك النهائي بـ150 دينارا.. والسؤال المطروح هنا.. أين تذهب هذه الزيادات المقدرة بـ90 دينارا في الكيلوغرام الواحد؟ فإن كانت مبرّرة اقتصاديا، فالأمر قد يكون مقبولا، أمّا إن كانت ناتجة عن سلوكيات غير مبرّرة وغير مفهومة، فالواجب يقتضي تفكيكها، فهمها، وضبطها.
في هذا الإطار، أمر رئيس الجمهورية بإعداد مشروع نص لتنظيم صارم لنشاط وسطاء البيع بين المنتجين والمواطنين، وهو ما من شأنه تقليص الهوّة الكبيرة في الأسعار بين المنتج والمستهلك، وفي سياق متّصل، كلّف الرئيس وزير الداخلية بالتنسيق مع ولاة الجمهورية لاستحداث آلية تسمح بشراء فائض المنتجات محليا، وتخزينها، ثمّ طرحها في السوق فور تسجيل المؤشّرات الأولى لتغيّر الأسعار، بهدف المحافظة على القدرة الشرائية للمواطنين.
ولضمان فعالية هذه الإجراءات، وتفكيك آليات التلاعب، تمّ التأكيد على استخدام الرقمنة، حيث أمر رئيس الجمهورية بالتنسيق بين وزارة الداخلية ووزارة التجارة الداخلية ومحافظة الرقمنة لإنشاء قاعدة بيانات رقمية تسمح برقابة سريعة وناجعة للأسعار، وتكون بمثابة آلية إخطار تتيح تدخّل المصالح المعنية لإعادة التوازن لأسعار السلع في حال ارتفاعها بشكل غير عادي، بالإضافة إلى ذلك، سيتم إعداد نظام من قبل وزارة التجارة الداخلية لتسقيف الأسعار وتحديد هوامش الربح في الخضر، البقوليات، العجائن واللّحوم، مع مراعاة سلسلتي الإنتاج والتسويق.
أما بالنسبة لسرعة وسلاسة التعامل مع التجاوزات وضبط السوق محليا، فقد تم التوجه نحو منطق اللامركزية، حيث أمر الرئيس بوضع نظام غير مركزي، يتحمّل فيه مديرو التجارة، تحت مسؤولية الولاة، المتابعة المحلية اليومية لأسعار المواد ذات الاستهلاك الواسع، كما أمر بمضاعفة فرق مراقبة الأسعار التابعة لوزارة التجارة الداخلية، مع إنزال ميداني يومي ومستمر طوال العام.
ولم تقتصر القرارات على المنتجات المحلية فقط، بل شملت أيضا المواد المستوردة، وخاصة اللّحوم، فقد كلف رئيس الجمهورية الوزير الأول بفتح تحقيق فوري حول الدور السلبي لبعض المستوردين في احتكار ورفع أسعار اللّحوم المستوردة، وكذا لدى الجزّارين الذين يسوّقونها بأسعار اللّحوم المحلية، والفارق غير المبرّر بين أسعار اللّحوم المستوردة عند القصابات في مختلف الولايات، وحتى داخل الأحياء السكنية.
وتعكس هذه الإجراءات المتخذة خلال مجلس الوزراء الأخير إرادة صريحة لإعادة تنظيم السوق الوطنية، بعيدا عن الاحتكار والمضاربة ومنطق الربح السريع في قطاع جدّ حساس، وبما يضمن حماية القدرة الشرائية للمواطن الجزائري، ودعم الفلاح لضمان الأمن الغذائي للبلاد.

