قاعـدة البيانـات الرقمية تتيح رقابة سريعــة واستجابة فورية لتغيّر الأسعار
ثمّن رئيس الجمعية الوطنية للتجار والحرفيّين، الحاج الطاهر بولنوار، القرارات التي أسداها رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، خلال اجتماع مجلس الوزراء، خاصة تلك المتعلقة بالآلية المقترحة للمتابعة اليومية لأسعار المواد الاستهلاكية الأساسية ومدى وفرتها عبر التراب الوطني، معتبرا أنها تشكّل خطوة مهمة نحو تنظيم السوق الوطنية وضبط مختلف حلقات النشاط التجاري، بما يسمح بتحسين ظروف التموين، وتعزيز شفافية المعاملات، والحدّ من الاختلالات التي تؤثر على الأسعار والقدرة الشرائية للمواطنين.
أوضح بولنوار، في تصريح لـ«الشعب”، أنّ أهمية هذه القرارات تكمن في شموليتها وتكامل التدابير التي تضمنها، باعتبار أنّ استقرار الأسعار وتوفّر المواد الاستهلاكية لا يرتبطان بعامل واحد، وإنما يتطلّبان معالجة مختلف مراحل سلسلة التوزيع، انطلاقا من الإنتاج والاستيراد، مرورا بالتخزين والتبريد وأسواق الجملة، وصولا إلى أسواق التجزئة والمستهلك النهائي، وقال إنّ ذلك يستدعي تحديد مهام جميع المتدخّلين في السوق، وضبط طبيعة نشاطاتهم، بما يضمن وضوح المسؤوليات ويحدّ من الممارسات التي تؤدي إلى اضطراب التموين أو ارتفاع الأسعار بصورة غير مبرّرة.
وفي السياق، أبرز رئيس جمعية التجار والحرفيّين أهمية تنظيم سلسلة التوزيع وتحديد نشاطات المتدخّلين فيها، مشيرا إلى أنّ السوق تضم عدة حلقات تتكامل فيما بينها، من المنتجين والمستوردين إلى أصحاب منشآت التخزين وشبكات التبريد وتجّار الجملة والتجزئة، وهو ما يجعل تنظيم العلاقات بين هذه الأطراف ضرورة لضمان وصول المنتجات إلى المستهلك في ظروف ملائمة وبأسعار معقولة.
ضبط نشاط الوسطاء
كما اعتبر بولنوار أنّ ضبط نشاط الوسطاء بين المنتجين والمواطنين يمثل أحد المحاور الأساسية في تنظيم السوق، بالنظر إلى أن تعدّد حلقات الوساطة دون ضوابط واضحة قد يؤدي إلى زيادة تكاليف تسويق المنتجات، ويؤثر على مسار توزيعها، كما يمكن أن يتسبّب في اضطراب الأسعار والتموين.
من هذا المنطلق، فإنّ تنظيم الوساطة التجارية وتحديد مجال تدخّل كل طرف من شأنهما المساهمة في تحسين انسيابية المنتجات داخل السوق، وتوضيح المسؤوليات، والحدّ من الممارسات التي تثقل كاهل المستهلك دون أن تقدّم قيمة مضافة حقيقية للخدمة التجارية.
وشدّد بولنوار على أنّ تنظيم سلسلة التوزيع لا يعني إقصاء المتعاملين الناشطين فيها، وإنما يهدف إلى ضبط النشاط التجاري على أسس واضحة، تسمح لكل متدخّل بأداء دوره ضمن إطار منظّم وشفاف، بما يخدم المنتج والتاجر والمستهلك على حدّ سواء، ويساهم في بناء سوق أكثر استقرارا وقدرة على الاستجابة لحاجيات المواطنين.
تسقيف الأسعار وتعزيز شفافية المعاملات
من بين التدابير التي حظيت بتثمين جمعية التجار والحرفيّين، إعداد نظام لتسقيف الأسعار وتحديد هوامش الربح في عدد من المواد، على غرار الخضر والبقوليات والعجائن واللّحوم، مع مراعاة سلسلتي الإنتاج والتسويق.
وفي هذا الإطار، أوضح بولنوار أنّ تحديد الأسعار وهوامش الربح وفق ضوابط واضحة، من شأنه تعزيز الشفافية في النشاط التجاري، وجعل الأسعار أكثر وضوحا بالنسبة إلى المستهلك، مع مراعاة خصوصية كل مرحلة من مراحل تسويق المنتجات.
وأكّد محدثنا أنّ هذه الخطوة تكتسي أهمية خاصة في تنظيم العلاقة بين مختلف المتدخّلين في السوق، إذ إنّ وضوح قواعد تحديد الأسعار يساعد على الحدّ من الاختلالات المسجّلة بين حلقات التوزيع، ويتيح متابعة تطور الأسعار بصورة أفضل، كما يُسهم في تكريس مبدأ الشفافية في المعاملات التجارية، وأضاف أنّ نجاح هذه الآلية يرتبط بأخذ مختلف عناصر سلسلة التسويق بعين الاعتبار، بدءا من تكلفة الإنتاج أو الاستيراد، مرورا بالنقل والتخزين والتوزيع، وصولا إلى البيع بالتجزئة، بما يسمح بإرساء قواعد واضحة للنشاط التجاري، ويضمن التوازن بين استمرارية نشاط المتعاملين الاقتصاديّين وحماية القدرة الشرائية للمواطنين.
وتبرز أهمية تحديد هوامش الربح -يقول محدثنا- وفق مقاربة تراعي طبيعة المنتجات وتكاليف تسويقها، بما يسمح بتفادي الاختلالات التي قد تنشأ عن غياب قواعد واضحة، ويعزّز إمكانية مراقبة حركة الأسعار عبر مختلف مراحل التوزيع، كما أنّ وضوح هذه القواعد من شأنه تسهيل متابعة مدى احترام المتعاملين للضوابط المعمول بها، وتعزيز الثقة بين التجار والمستهلكين.
تخزين فائض الإنتاج وضمان استقرار التموين
فيما يتعلّق باستحداث آلية لشراء فائض المنتجات محليا وتخزينها، ثم ضخّها في السوق عند ظهور مؤشّرات أولية على تغيّر الأسعار، اعتبر رئيس الجمعية الوطنية للتجار والحرفيين أنّ هذا الإجراء يمثل حلا عمليا لمعالجة الاختلالات التي قد تظهر خلال المواسم الفلاحية، خاصة عندما يتجاوز الإنتاج حجم الطلب، أو عندما تسجّل السوق نقصا في بعض المنتجات خلال فترات معينة.
وأوضح بولنوار أنّ السوق الوطنية قد تعرف، في بعض المواسم، وفرة في منتجات معينة بكميات تفوق احتياجات السوق، وهو ما قد يؤدي إلى تكدّسها أو تعرّضها للتلف في حال عدم توفّر إمكانات التخزين والتبريد والتوزيع المناسبة.
في المقابل -يقول بولنوار- يمكن أن تسجّل فترات أخرى تراجعا في العرض مقابل استمرار الطلب، الأمر الذي ينعكس على الأسعار ويؤثّر على انتظام التموين.
من هذا المنطلق، فإنّ اعتماد آلية لاقتناء فائض الإنتاج وتخزينه من شأنه المساهمة في معالجة الفارق بين العرض والطلب، من خلال الاستفادة من الكميات المتوفّرة خلال فترات الوفرة وإعادة طرحها في السوق عند الحاجة، بما يساعد على ضمان استمرارية التموين والحدّ من التقلّبات التي قد تعرفها الأسعار.
وأشار المتحدث إلى أنّ أهمية هذا التدبير تكمن في ربط مراحل الإنتاج والتخزين والتوزيع ضمن رؤية متكاملة، تسمح بالتعامل الاستباقي مع التغيّرات التي قد تعرفها السوق، بدل الاكتفاء بالتدخّل بعد تسجيل الارتفاعات أو ظهور حالات الندرة، كما أنّ الاستغلال الأمثل لفائض المنتجات من شأنه تقليص الخسائر الناتجة عن تلف السلع، وتحسين توجيه الإنتاج المحلي نحو تلبية احتياجات المستهلكين.
ويكتسي هذا الجانب أهمية إضافية بالنظر إلى الدور الذي تؤديه منشآت التخزين وشبكات التبريد في الحفاظ على المنتجات، خاصة منها سريعة التلف، إذ إنّ توفر هذه الإمكانات وتنظيم استغلالها يساعدان على ضمان انتقال المنتجات من مرحلة الإنتاج إلى مرحلة التسويق في ظروف أفضل، ويعزّزان قدرة السوق على مواجهة الاختلالات الظرفية.
رقمنة الرقابة والمتابعة اليومية للأسعار
ثمّن بولنوار التوجّه نحو عصرنة الرقابة التجارية من خلال إنشاء قاعدة بيانات رقمية، بالتنسيق بين وزارة الداخلية ووزارة التجارة الداخلية ومحافظة الرقمنة، بما يسمح بمتابعة أسعار المواد ذات الاستهلاك الواسع بصورة يومية، ورصد الارتفاعات غير العادية، وإخطار المصالح المعنية للتدخّل في الوقت المناسب.
وأوضح بولنوار أنّ تطوير وسائل الرقابة وتوظيف الرقمنة في جمع البيانات المتعلقة بالأسعار ووفرة المنتجات من شأنهما تحسين فعالية المتابعة الميدانية، وتوفير معطيات تساعد على فهم وضعية السوق وتحديد الاختلالات المسجّلة على مستوى مختلف الولايات والمناطق، بما يسمح باتخاذ التدابير المناسبة وفقا لطبيعة كل حالة، وأضاف أنّ مضاعفة فرق مراقبة الأسعار وضمان نزولها الميداني بصورة يومية ومستمرّة طوال العام، يمثلان إجراء مكمّلا للرقمنة؛ لأنّ تنظيم السوق يتطلب الجمع بين توفّر المعلومات الدقيقة والحضور الميداني لمصالح الرقابة، بما يتيح متابعة مدى احترام القواعد المنظمة للنشاط التجاري والتدخّل عند تسجيل تجاوزات.
واعتبر محدثنا أنّ التنسيق بين القطاعات المعنية، إلى جانب توفير قاعدة بيانات رقمية فعّالة، يمكن أن يُسهم في تحسين سرعة الاستجابة للتغيّرات التي تعرفها الأسعار، وتعزيز القدرة على رصد مظاهر الخلل في التموين والتوزيع، بما يدعم جهود ضبط السوق وحماية المستهلك.
التجار والحرفيّون.. مع الرئيس
بخصوص مساهمة الجمعية الوطنية للتجار والحرفيّين في تجسيد هذه التوجّهات، أكّد بولنوار أنّ الجمعية تثمّن هذه القرارات وتدعم الأهداف التي ترمي إلى تنظيم النشاط التجاري وتحسين أداء السوق الوطنية، وأشار إلى أنها ستعمل على إعداد مجموعة من المقترحات العملية ورفعها إلى الوزارات المعنية، وفي مقدّمتها وزارة التجارة الداخلية ووزارة الفلاحة ووزارة الداخلية.
وأوضح محدثنا أنّ الجمعية تستند في إعداد هذه المقترحات إلى طبيعة تركيبتها وانتشار أعضائها عبر مختلف حلقات النشاط الاقتصادي والتجاري، من الإنتاج والتوزيع إلى أسواق الجملة والتجزئة وشبكات التخزين، وهو ما يتيح لها الاستفادة من الخبرة الميدانية للمتعاملين والوقوف على الانشغالات والصعوبات التي قد تواجههم خلال ممارسة نشاطاتهم، وأشار إلى أنّ هذه المقترحات ستندرج ضمن مسعى المساهمة في تحقيق الأهداف التي تضمّنتها قرارات مجلس الوزراء، من خلال تقديم تصورات عملية تساعد على تنظيم سلسلة التوزيع، وضبط نشاطات المتدخّلين في السوق، وتحسين آليات التموين والتخزين والرقابة، إلى جانب تعزيز التنسيق بين مختلف القطاعات المعنية.
وشدّد بولنوار على أنّ إشراك المهنيّين في هذا المسار يتيح الاستفادة من خبرتهم في التعامل اليومي مع حركة السلع وتغيّرات العرض والطلب، بما يساعد على بلورة مقترحات تستجيب لخصوصيات السوق الوطنية وتدعم فعالية التدابير المتخذة. كما أنّ التنسيق بين الهيئات المعنية وممثلي التجار والحرفيّين من شأنه الإسهام في توضيح الإشكالات المطروحة واقتراح حلول عملية لمعالجتها.
وأكّد بولنوار أنّ الجمعية تسعى -من خلال هذه المبادرة- إلى المساهمة في ترقية النشاط التجاري والحرفي، والحدّ من مختلف مظاهر الخلل التي قد تمسّ السوق، بما فيها الاحتكار والمضاربة غير المشروعة والندرة، مع دعم الجهود الرامية إلى ضمان توفّر المواد الاستهلاكية الأساسية واستقرار أسعارها.


