المنظومــــة السينمائيـة تكتــمل بالتّسويـق.. التوزيع والتربيــــــة البصريــة
تشجــيع المنتجـين علـى مشاريــــع جديـــدة وجـــذب الاستثمــار.. ضــــرورة
يرى الدكتور توفيق ذباح، الباحث في علوم الإعلام والاتصال والمهتم بالدراسات السينمائية بجامعة الجزائر 2، أن دعم الإنتاج السينمائي الوطني وتوسيع فضاءات عرض الأفلام الجزائرية يشكّلان خطوة مهمة نحو تنشيط الحركية السينمائية، وتعزيز حضور الفيلم الوطني لدى الجمهور، مشيرا إلى أن هذه الخطوة من شأنها تعزيز الإقبال على السينما الجزائرية، وإبراز تنوع إنتاجها وثراء تجاربها.
أشار الأستاذ توفيق ذباح في حديث مع «الشعب» إلى أن هذه المبادرة «يمكن أن تسهم في تنشيط الحركية السينمائية من خلال دعم المخرجين والمنتجين الشباب، وتشجيع المشاريع السينمائية الجديدة، وتحفيز الاستثمار في الصناعة السينمائية الوطنية، بما يسمح بتجديد المضامين وأساليب المعالجة الفنية، وفتح المجال أمام بروز طاقات إبداعية جديدة»، كما أكد أن توسيع فضاءات العرض، سواء من خلال إعادة تأهيل القاعات السينمائية أو إنشاء فضاءات ثقافية متعددة الوظائف، «من شأنه أن يقرب الفيلم الجزائري من الجمهور، ويعيد الاعتبار للمشاهدة السينمائية الجماعية بوصفها ممارسة ثقافية واجتماعية».
وشدّد الأستاذ على أن «تعزيز حضور الفيلم الجزائري لدى الجمهور يتطلب تجاوز المقاربة التي تركز على الإنتاج وحده، نحو اعتماد استراتيجية متكاملة تشمل التوزيع والترويج والتسويق الثقافي».
وأوضح أن ذلك يتحقق «من خلال تنظيم عروض منتظمة للأفلام الجزائرية، وإقامة المهرجانات والأسابيع السينمائية، وتوظيف المنصات الرقمية وشبكات التواصل الاجتماعي للتعريف بالأعمال الجديدة، فضلا عن تعزيز الشراكة بين المؤسسات الثقافية والجامعات ودور الشباب والجمعيات السينمائية».
وأضاف أن «إدماج الأنشطة السينمائية في الوسط المدرسي والجامعي من شأنه المساهمة في تنمية الثقافة السينمائية لدى الأجيال الجديدة». وأكد ذباح أن «تنوع الموضوعات السينمائية وارتفاع جودة الإنتاج يعززان قدرة الفيلم الجزائري على استقطاب فئات مختلفة من الجمهور، وتعزيز الحوار بين الأجيال، وتقديم صورة أكثر ثراء عن المجتمع الجزائري وتحولاته».
وفيما يتعلق بالآفاق التي يفتحها توسيع فضاءات العرض أمام المخرجين والمنتجين، أوضح المتحدث أن «تعدّد هذه الفضاءات وتوزعها جغرافيا يتيحان فرصا أوسع للتعريف بالأعمال السينمائية الجزائرية، وتجاوز محدودية الانتشار، والوصول إلى جمهور أوسع، لا سيما في المناطق التي تفتقر إلى قاعات سينمائية أو تظل بعيدة عن النشاط السينمائي المنتظم». وأضاف أن هذا التوسع «يتيح للمخرجين والمنتجين فرصة اختبار أعمالهم أمام جمهور متنوع، والتعرف على تفاعلاته وانطباعاته، بما يساعدهم على فهم اهتماماته وانتظاراته وتطوير مشاريعهم المستقبلية، كما يمنح المنتجين فرصا أفضل لتسويق أعمالهم، وتوسيع قاعدة متابعيها، وبناء شراكات جديدة مع المؤسسات الثقافية والهيئات الداعمة والموزعين، وهو ما يمكن أن يسهم في تحسين مردودية الاستثمار السينمائي وتشجيع إنتاج أعمال جديدة».
وأكّد محدّثنا – في السياق – أن «تنويع فضاءات العرض من خلال القاعات السينمائية والمراكز الثقافية ودور الشباب والجامعات والمهرجانات يساهم في جعل السينما الجزائرية أكثر قربا من مختلف الفئات الاجتماعية والعمرية، ويحقّق قدرا أكبر من العدالة الثقافية من خلال إتاحة الفرصة أمام سكان مختلف المناطق للاستفادة من الإنتاج السينمائي الوطني، والتعرف على تنوع موضوعاته وتجارب مبدعيه»، كما أبرز أهمية تعزيز التواصل المباشر بين صنّاع الأفلام والمتلقين، من خلال «تنظيم لقاءات نقاشية عقب العروض، وندوات تجمع المخرجين والمنتجين بالجمهور والنقاد والباحثين والطلبة، بما يتيح تبادل الآراء حول القضايا التي تطرحها الأفلام، وفهم الخيارات الفنية والجمالية التي اعتمدها صناعها، فضلا عن تقريب الجمهور من ظروف الإنتاج والتحديات التي تواجه الصناعة السينمائية الجزائرية».
وشدّد المتحدث على أن «بناء علاقة مستدامة مع الجمهور يستدعي الانتقال من تنظيم عروض سينمائية متفرقة ومناسباتية إلى إرساء موعد ثقافي سينمائي منتظم، من خلال برمجة عروض أسبوعية أو شهرية للأفلام الجزائرية في القاعات والمراكز الثقافية والجامعات ودور الشباب، ودعمها بلقاءات مع المخرجين والممثلين وورشات للتعريف بفنون السينما ونقاشات تفاعلية تتيح للمتلقين التعبير عن آرائهم ومشاركة قراءاتهم للأعمال المعروضة».
كما أشار إلى أن ترسيخ ثقافة المشاهدة السينمائية لدى الأجيال الجديدة «يستدعي الاهتمام بالتربية على الصورة والتنشئة السينمائية داخل المؤسسات التعليمية والجامعية، من خلال إنشاء نواد سينمائية مدرسية وجامعية، وتنظيم عروض موجهة للأطفال والمراهقين والشباب، وتقديم أنشطة تساعدهم على فهم اللغة السينمائية وتحليل الرسائل البصرية والتعرف على مراحل إنتاج الفيلم، فضلا عن إشراكهم في مسابقات كتابة السيناريو وتصوير الأفلام القصيرة».
وفي السياق ذاته، أكّد محدثنا أن التحول الرقمي «يتيح فرصا مهمة لتوسيع دائرة التفاعل مع الأفلام الجزائرية، من خلال إنتاج محتويات ترويجية قصيرة، ونشر مقاطع تعريفية بالأعمال السينمائية، وتنظيم حملات تفاعلية عبر شبكات التواصل الاجتماعي، إلى جانب تطوير منصات سينمائية تتيح مشاهدة الأفلام الوطنية»، وأشار إلى «ضرورة تكامل هذه الأدوات مع العرض السينمائي الحضوري، بما يضمن توسيع الوصول إلى الجمهور دون التفريط في القيمة الثقافية والاجتماعية للمشاهدة الجماعية».
وشدّد الأستاذ على أن «تحقيق أهداف هذه المبادرة يظل مرتبطا باستمرارية التمويل، وتحسين آليات توزيع الأفلام، وتطوير شبكة القاعات السينمائية، وتكوين الكفاءات في مجالات الإنتاج والتسويق والتقنيات الحديثة، إلى جانب وضع آليات لتقييم أثر هذه المبادرات على نسب المشاهدة والإقبال الجماهيري». وقال: «لا يمكن بناء صناعة سينمائية وطنية قوية بمجرد إنتاج الأفلام، بل يتطلب الأمر إيجاد جمهور يتفاعل معها، وفضاءات تحتضنها، وسياسات ثقافية تضمن استمراريتها.







