من «كاف النسور» إلى «أقني مريم».. آثار البطولات تتكلّم..
تكريم رجال الذّاكرة.. وفاء للشّهداء واعتراف للمجاهدين
جمعت خرجة راجلة نظّمتها جمعية المشاة الهواة لمدينة الورود «Gravir»، يوم السبت المنقضي، بين اكتشاف الطبيعة بأعالي الأطلس البليدي واستحضار محطات من تاريخ ثورة التحرير المجيدة، في مسار أعاد المشاركين إلى آثار المجاهدين وبطولاتهم، في ظروف قاسية فرضتها طبيعة المنطقة وملاحقة الاستعمار الفرنسي.
جاءت هذه المبادرة التي نظمت تحت إشراف مديرية الشباب والرياضة لولاية البليدة، بالتنسيق مع المجلس الشعبي البلدي لبلدية البليدة، حرصا على ربط الأجيال الجديدة بالذاكرة الوطنية من خلال المعاينة الميدانية للمواقع التي احتضنت محطات من الكفاح المسلح.
وانطلق 43 عضوا من منخرطي الجمعية من منطقة سيدي الفضيل بأعالي بلدية بوعرفة، مرورا بـ «كاف النسور»، وصولا إلى دوار عائلة رمضان بمنطقة «أقني مريم»، قبل التوغل في المسالك الجبلية التي تقود إلى مواقع ارتبطت بتاريخ الولاية الرابعة التاريخية، وقاد الجولة المرشد محمد لعرابي، والأستاذ الباحث في التاريخ محمد بن صايبي، إلى جانب المجاهد رمضان موسى، ابن المنطقة، الذي أسهمت شهادته في استحضار جوانب من الذاكرة المحلية.
أطبّاء من الطّلبة المضربين
وشكّلت بقايا المستشفى العسكري السري بمنطقة سمعانية، بأعالي أقني مريم، إحدى أبرز محطات الجولة، حيث استمع المشاركون إلى شروحات تاريخية قدمها الباحث محمد بن صايبي، بمرافقة المجاهد رمضان موسى، حول ظروف إنشاء هذا المرفق الصحي وطبيعة المهام التي اضطلع بها خلال الثورة التحريرية.
وحسب الشروحات المقدمة، فقد حولت بيت السيدة يمينة رمضان، المتكون من غرفتين ومطبخ، إلى مستشفى ميداني خاضع لحراسة مشددة، رغم ضيق المكان الذي لم يكن يسمح باستقبال أكثر من 16 مريضا، حيث اضطلع بتقديم العلاج طاقم من الأطباء والممرضين، من بينهم أفراد ينتمون إلى جيل إضراب الطلبة التاريخي في 19 ماي 1956، في صورة تعكس حجم التعبئة التي شهدتها الثورة لتوفير الرعاية الصحية للمجاهدين.
ولم تقتصر مهام المستشفى على العلاج البسيط، بل شملت إجراء عمليات جراحية دقيقة، من بينها بتر الأعضاء واستخراج الرصاص، في ظروف صعبة تطلبت تدبير الوسائل المتاحة، كما استمع المشاركون إلى تفاصيل عن الخدمات التي كان يقدمها الطاقم الطبي، في ظل محدودية الإمكانات وشح التجهيزات.
ومن بين الأسماء التي ارتبطت بهذا المرفق الصحي الطبيب يحيى فارس، الذي عمل بالولاية الرابعة التاريخية، رفقة ممرضين اثنين هما اليزيد وفاطمة الزهراء باجي، المعروفة فنيا باسم المطربة نورة، كما شهدت المنطقة زيارة الشهيد البطل بونعامة الجيلالي، وفق الشهادات التاريخية المقدمة، غير أن استمرار نشاط المستشفى لم يكن ممكنا أمام تصاعد العمليات العسكرية الاستعمارية، إذ تعرضت المنطقة سنة 1957 لقصف عنيف، أعقبه تصنيفها منطقة محظورة، وتهجير سكانها قسرا نحو المدينة في غضون 24 ساعة، لتطوى بذلك صفحة من تاريخ هذا الموقع الذي احتضن جانبا من الجهد الطبي للثورة.
تكريم رجال حملوا أمانة الذّاكرة
بعد الوقوف عند بقايا المستشفى والاستماع إلى تفاصيل تاريخه، كرمت الجمعية المجاهد رمضان موسى، ابن المنطقة وابن عم صاحبة البيت الذي حول إلى مرفق صحي، عرفانا بما قدمه من تضحيات في سبيل الوطن، قبل أن يواصل المشاركون مسارهم نحو منبع مائي عذب، حيث أخذوا قسطا من الراحة بعد رحلة في المسالك الجبلية.
ولم تنته المحطات التاريخية عند هذا الحد، إذ توقف أفراد المجموعة عند مبنى قديم بالمنطقة، حيث قدم الأستاذ محمد بن صايبي شروحات حول مجازر 17 أكتوبر 1961، مستحضرا دلالاتها في الذاكرة الوطنية، بالتزامن مع توزيع مطويات توعوية وتاريخية على المشاركين.
وعند العودة إلى نقطة ركن السيارات بسيدي الفضيل، خصصت الجمعية لحظة وفاء للمجاهد أحمد طوبال الصغير، الذي كان يبلغ 13 سنة خلال الثورة، وكان يرافق نقل الأدوية إلى المستشفى السري، قبل أن يتعرض للتعذيب رغم صغر سنه، وتسلم ابنه التكريم نيابة عنه، لتعذر حضوره بسبب طارئ صحي.
واختتمت الخرجة بعد قطع مسافة إجمالية قدرت بـ 12 كيلومترا، جمعت بين المشي في أحضان الطبيعة واكتشاف المواقع التاريخية واستحضار شهادات من عايشوا الثورة، وبذلك تحولت الجولة إلى تجربة ميدانية تجاوزت بعدها الرياضي والترفيهي، لتؤكد أهمية تثمين الذاكرة المحلية ونقلها إلى الأجيال الجديدة، حتى تظل آثار الكفاح المسلح حاضرة في الوعي الجماعي، شاهدة على تضحيات الرجال والنساء الذين صنعوا استقلال الجزائر.






