حماية الاستثمارات النفطية ومرافقة استقرار الجوار الإفريقي
منصوري لـ«الشعب»: الوقوف إلى جانب النيجر.. حماية استقلال القرار السيد
قرّرت الجزائر إرسال مفرزة من الجيش الوطني الشعبي إلى النيجر لحماية المنشآت النفطية التابعة لسوناطراك، استجابة لطلب رسمي من السلطات النيجرية، وذلك بعد استكمال الإجراءات الدستورية، وتعكس الخطوة توجّها نحو تعزيز حماية المصالح الجزائرية في الساحل، من خلال تعاون أمني يجمع بين تأمين الاستثمارات ومساندة دولة جارة، تواجه تحديات تتّصل باستقرارها وقدرتها على استغلال مواردها وتمويل احتياجاتها التنموية.
يأتي القرار وسط تنافس إقليمي ودولي حادّ ومشبوه على منطقة الساحل، تتداخل فيه المصالح الاقتصادية مع الحسابات الأمنية والأهداف الخبيثة لزعزعة الاستقرار، وتحضر فيه ثروات الذهب واليورانيوم والمحروقات ضمن اهتمامات القوى الساعية إلى توسيع نفوذها، وتحتل النيجر موقعا مهما في هذه المعادلة، بحكم مواردها وموقعها الجغرافي وصلاتها بدول المنطقة، بالإضافة إلى حدودها المشتركة مع الجزائر، وما تفرضه من تنسيق في معالجة الملفات الأمنية.
وفي قراءته، يؤكّد أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية، الدكتور عبد القادر منصوري، في تصريح لـ»الشعب»، أنّ القرار يندرج ضمن تعزيز المبادئ التاريخية للسياسة الخارجية الجزائرية، ويوضّح أن مبدأ عدم التدخّل، باعتباره فلسفة سياسية، يحتاج في الظروف الراهنة إلى مساعدة الدول الصديقة على حمايته، ودعم قدرتها على الحفاظ على استقلال قرارها، ومواجهة محاولات التأثير في شؤونها وخياراتها الوطنية.
وأشار منصوري إلى مساع تستهدف عزل الجزائر عن عمقها الإفريقي، بالتوازي مع التنافس على ثروات دول الساحل، خاصة الذهب واليورانيوم، ويضع هذا التقدير العلاقات الجزائرية النيجرية ضمن سياق أوسع من التعاون الثنائي، يتّصل بمستقبل المنطقة وموقع دولها في علاقاتها مع القوى الخارجية، وبقدرتها على الاحتفاظ بالسيطرة على مواردها، وتحديد شركائها وفق مصالحها واحتياجات شعوبها.
وتتمسّك الجزائر في مقاربتها للساحل بالتسوية السياسية للأزمات واحترام سيادة الدول، ويضيف التعاون الأمني مع النيجر مجالا عمليا لحماية هذه الخيارات، بناء على طلب الدولة المعنية وموافقتها، ويكتسي تحديد المهمة أهمية أساسية في هذا الإطار، إذ يتعلّق الأمر بتأمين منشآت وأطقم ومشاريع اقتصادية، ضمن مسؤوليات معلومة، وتنسيق بين مؤسّسات البلدين، واحترام السيادة النيجرية على أراضيها.
وتطرح الاستثمارات الجزائرية في المنطقة -بدورها- احتياجات أمنية مرتبطة بطبيعة النشاط وظروف العمل، وتضم المشاريع النفطية تجهيزات وأطقم تقنية وعمليات ميدانية تحتاج إلى حماية مستمرة، خاصة في محيط تنشط فيه جماعات إرهابية وشبكات تهريب، وتتكامل هنا مهام الدبلوماسية التي تؤطّر الشراكة مع الترتيبات الأمنية التي ترافق تنفيذها، وتحافظ على سلامة العاملين واستمرارية المشاريع والالتزامات الاقتصادية المتبادلة.
ويبرز الطابع الدفاعي للخطوة من خلال موضوعها وحدودها، فحماية المنشآت النفطية تدخل ضمن تأمين المصالح المشتركة للجزائر والنيجر، وتستجيب لانشغال مباشر لدى البلدين، كما تعبّر عن استعداد الجزائر لمرافقة حضور مؤسّساتها الاقتصادية في جوارها الإفريقي، بوسائل تتناسب مع التهديدات القائمة، وتمنح الشراكة الثنائية قدرا أكبر من الاستقرار، في مرحلة تحتاج فيها المشاريع إلى متابعة سياسية وأمنية واقتصادية متواصلة.
في سياق متّصل، تواجه منطقة الساحل أنشطة إجرامية متعدّدة، تشمل تهريب السلاح والمخدّرات والإتجار بالبشر، وتحضر المخدرات القادمة من المغرب ضمن مسارات التهريب العابرة لغرب إفريقيا والساحل، وتستغل هذه الأنشطة اتساع المساحات الصّحراوية وصعوبة مراقبتها، بالإضافة إلى الاضطرابات الأمنية، وتشغل مواجهة هذه الشبكات موقعا مهما في التعاون بين دول المنطقة، إلى جانب مكافحة الإرهاب وتأمين الحدود وحماية النشاط الاقتصادي.
وبالنسبة للنيجر، تمثل الموارد النفطية أحد مجالات دعم التنمية وتعبئة التمويل، في بلد يحتاج إلى توسيع الخدمات والمنشآت الأساسية وفرص العمل، وترتبط حماية المشاريع بهذا الانشغال الاقتصادي والاجتماعي، إلى جانب الاعتبارات الأمنية المباشرة، وتمنح الشراكة مع سوناطراك مجالا للاستفادة من الخبرة الجزائرية في المحروقات، ومرافقة تطوير القطاع، ضمن مصالح متبادلة تحضر فيها حاجات الدولة النيجرية وأولوياتها الوطنية.
كما تحتفظ الجزائر بمصلحة واضحة في استقرار جوارها الجنوبي، وفي استمرار علاقاتها مع دوله بعيدا عن الضغوط ومحاولات الاستقطاب، ويعبّر التعاون مع النيجر عن حضور جزائري يستند إلى مشاريع واتفاقات والتزامات مشتركة، ويؤكّد مكانة البعد الإفريقي في السياسة الخارجية، وسط نقاش متزايد حول السيادة على الثروات، وحدود النفوذ الأجنبي، ودور الشراكات الإقليمية في معالجة الأزمات الأمنية والاقتصادية.





