تحيي الجزائر اليوم، الذكرى الـ64 لاسترجاع السيادة الوطنية على الإذاعة والتلفزيون، المصادفة لـ 28 أكتوبر من كل سنة والتي رسخت الاستقلال السياسي وكرست التحكم الجزائري في المؤسسات الاستراتيجية للدولة.
وتتجاوز أهمية الحدث مجرد استعادة منشأة إعلامية، إلى ما يمثله الإعلام من أداة للتعبير عن الهوية الوطنية، ونقل انشغالات المجتمع، والمساهمة في بناء الوعي الجماعي وصون الذاكرة التاريخية، وتبليغ الرسائل للخارج.
وخلال ثورة التحرير المظفرة، تفطنت جبهة التحرير الوطني إلى الدور الحيوي للإعلام في عملها الدبلوماسي، لمواجهة آلة التضليل الفرنسية التي ظلت تروج لخرافة «الجزائر فرنسية» طيلة قرن وربع، واستعملت الجبهة الإعلام من أجل إيصال صوت الثورة إلى الرأي العام الدولي وشرح أهدافها ومبادئها، انطلاقا من بيان أول نوفمبر.
وإلى جانب دحر الدعاية الفرنسية تلك، ركز العمل الإعلامي للثورة على إظهار الوجه الآخر للمحتل الذي التحف مبادئ الثورة الفرنسية « أخوة، عدالة، مساواة»، وهو في الواقع يبيد شعبا بقي إلى قبيل 1830 حرا مستقلا.
وبدأ العمل الإعلامي للثورة بالمناشير والرسائل والاتصال الشخصي والمباشر، ثم تعزز بإصدار صحيفة «المقاومة الجزائرية» في فرنسا.
وشكل استقلال الجزائر في جويلية 1962، نقطة انطلاق لمرحلة جديدة من تاريخ الإعلام الجزائري، اتسمت بالسعي إلى بناء مؤسسات وطنية قادرة على مواكبة تحولات المجتمع والتعبير عن تطلعاته. ولم تكن هذه المهمة سهلة، بالنظر إلى التحديات التي واجهت الدولة الفتية، من نقص الإمكانات والخبرات إلى ضرورة إعادة تنظيم الهياكل وتكوين الكفاءات الوطنية.
وفي هذه الظروف اتخذت الجزائر قرارا حاسما لاسترجاع المؤسستين، السياديتين الإذاعة والتلفزيون ورفع العلم الوطني عليهما، وهو ما أثار حفيظة التقنيين الفرنسيين الذين احتجوا بالتوقف عن العمل معتقدين أن ذلك سيرضخ الجزائر ويثنيها عن الخطوة.
لكن القرار التاريخي كان قد اتخذ، وأخذ التقنيون الجزائريون زمام الأمر وسيروا المرحلة بكل نجاح، لتتحول الإذاعة والتلفزيون إلى جزء من مشروع بناء الدولة، من خلال نقل الأخبار والبرامج الثقافية والتربوية، والتعريف بالتراث الوطني، ومواكبة التحولات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، انطلاقا من الإرث الثقافي والسياسي الجزائري الذي فشل المحتل الفرنسي في طمسه طيلة 132 سنة.
كما أتاح تطور البث الإذاعي والتلفزيوني توسيع نطاق التواصل بين المؤسسات والمواطنين، وتعزيز حضور الثقافة الوطنية في الفضاء العام.
السيادة الإعلامية في مواجهة التضليل
وشكّل استرجاع السيادة الوطنية على مبنى الإذاعة والتلفزيون الجزائري إحدى المحطات الدالة في مسار استكمال استقلال الجزائر، بما يحمله من أبعاد سياسية ورمزية وإعلامية. فاستعادة التحكم الوطني في هذه المنشأة لم تكن مجرد انتقال لإدارة مرفق عمومي، بل ارتبطت بمعنى أعمق يتمثل في استعادة إحدى أدوات التعبير عن الهوية الوطنية، وترسيخ حق الجزائريين في امتلاك صوت إعلامي يعكس تطلعاتهم ويواكب بناء دولتهم المستقلة، وإعادة توجيه تلك المؤسسات لخدمة دولة مستقلة تتطلع إلى تثبيت مؤسساتها الوطنية وبناء مشروعها السياسي والاجتماعي.
إن إحياء ذكرى استرجاع السيادة الوطنية على الإذاعة والتلفزيون مناسبة للتأمل في العلاقة بين السيادة والإعلام، وفي الدور الذي تضطلع به المؤسسات الإعلامية في حفظ الذاكرة الوطنية ومواكبة التحولات الراهنة.وفي عالم تتسارع فيه تدفقات المعلومات وتتعدد فيه مصادر التأثير، تزداد أهمية امتلاك إعلام مهني قادر على التحقق من الأخبار، ومواجهة التضليل، وتقديم المعلومة الدقيقة، وصون المصلحة الوطنية من دون الإخلال بقواعد الموضوعية والمسؤولية الصحفية. وبين دلالة أكتوبر 1962 ومتطلبات الحاضر، تظل الرسالة الأساسية لهذه الذكرى مرتبطة بضرورة حماية المؤسسات الوطنية وتطوير أدائها، والاستثمار في الكفاءات والتكنولوجيا، وتثمين الذاكرة السمعية البصرية باعتبارها جزءًا من التراث الوطني، والحفاظ على السيادة المسترجعة بالعمل المتواصل الذي يجعل من الإعلام أداة للمعرفة والتنوير وخدمة المجتمع، وفضاءً يحفظ تاريخ البلاد وينقل تجاربها إلى الأجيال القادمة.




