أطلقت الجمعية الوطنية «ما تنسانيش»، حملة تحسيسية للتعريف بمرضي الزهايمر والباركنسون، في مسعى لرفع مستوى الوعي بأعراضهما وطرق التعامل مع المصابين بهما، إلى جانب المطالبة بتحسين ظروف التكفل الصحي والاجتماعي بالمرضى ومرافقيهم، الذين يتحملون أعباء يومية ونفسية ومادية متزايدة.
شهدت المبادرة التي تم اطلاقها السبت المنقضي، وسط مدينة البليدة، بساحة الحرية في الشارع العتيق «باب السبت» تنظيم فضاءات للتوجيه الطبي والأرطفوني والنفسي والقانوني، إلى جانب التحسيس بأهمية النشاط البدني لدى المصابين بالباركنسون، وفتح خلية للإصغاء إلى انشغالات أفراد العائلات الذين يتولون رعاية مرضاهم. كما أتاحت الحملة للزوار فرصة اختبار الذاكرة والمشاركة في أنشطة تثقيفية، وطرح أسئلة على المختصين بشأن الجوانب الطبية والقانونية المرتبطة بالمرضين.
وأكدت رئيسة الجمعية الوطنية «ما تنسانيش» لمساعدة الأشخاص المصابين بالزهايمر والباركنسون، دليلة عبدلي، أن تنظيم هذه المبادرة يستهدف مختلف فئات المجتمع، سواء تعلق الأمر بالمصابين أو أفراد عائلاتهم أو الأشخاص الذين يرغبون في التعرف على الأعراض الأولية، مشيرة إلى أن الجمعية تسعى إلى تصحيح المفاهيم الخاطئة المحيطة بالمرضين، ومساعدة الأسر على اكتساب المعارف الضرورية للتعامل مع المصابين.
أعراض تتجاوز فقدان الذاكرة والرعشة
وأوضحت المتحدثة أن الاعتقاد السائد لدى بعض أفراد المجتمع بأن الزهايمر يقتصر على فقدان الذاكرة، وأن الباركنسون لا يتجاوز الرعشة، يحجب جوانب أخرى مهمة من المرضين، وقد يؤخر الانتباه إلى الأعراض وطلب الاستشارة الطبية.
ويُعد مرض الزهايمر أحد أكثر أسباب الخرف شيوعًا، وهو اضطراب عصبي تنكسي تدريجي يؤثر في الذاكرة والتفكير والقدرات اللغوية والسلوك، وقد ينعكس مع مرور الوقت على قدرة المصاب على ممارسة أنشطته اليومية والاستقلالية في حياته. ولا يعني كل تراجع في الذاكرة الإصابة بالزهايمر، إذ يمكن أن ترتبط هذه المشكلة بأسباب أخرى، من بينها الاكتئاب، ما يجعل التقييم الطبي ضروريًا لتحديد السبب، تقول عبدلي.
أما مرض الباركنسون، فهو اضطراب عصبي تدريجي يؤثر أساسًا في الحركة، وتظهر أعراضه في صورة بطء الحركات وتصلب العضلات واضطرابات التوازن، وقد تصاحبه رعشة لدى بعض المصابين، فضلًا عن مشكلات في النوم والمزاج ووظائف أخرى. ولا تظهر الرعشة بالضرورة لدى جميع المرضى، ما يستدعي الانتباه إلى الأعراض المختلفة وعدم حصر المرض في مظهر واحد، أوضحت الناشطة الجمعوية في معرض حديثها.
وفي ذات السياق، شددت عبدلي على أهمية توعية العائلات بأن التغيرات السلوكية التي قد تصاحب الزهايمر لا تعني بالضرورة أن المريض يتعمد الإساءة إلى المحيطين به، موضحة أن بعض التصرفات قد تكون مرتبطة بتطور المرض ومحاولات المصاب الدفاع عن استقلاليته ومكانته داخل الأسرة.
كما أشارت إلى أن الجمعية أعدت مطبوعات إرشادية لمساعدة أفراد العائلات على إقناع الأشخاص الذين تظهر عليهم أعراض مقلقة بالتوجه إلى الطبيب، دون المساس بكرامتهم أو إثارة مخاوفهم، مؤكدة ضرورة اعتماد أساليب هادئة تراعي حالتهم النفسية.
تكوين العائلات ومرافقي المرضى
من جهتها، أبرزت الأخصائية الأرطفونية والأستاذة الجامعية كهينة بن آكلي أهمية التدخل الأرطفوني في مرافقة مرضى الزهايمر بعد التشخيص الطبي وتحديد النقائص التي يعانون منها، خاصة ما يتعلق بالذاكرة اللغوية والوظائف التنفيذية، إلى جانب توجيه العائلات إلى الطرق المناسبة للتعامل مع المريض.
وأوضحت أن بعض أفراد الأسرة يقعون في خطأ القيام بجميع المهام نيابة عن المريض، اعتقادًا منهم أنهم يساعدونه، في حين أن ترك المجال له للمبادرة والقيام بما يستطيع من أعمال، وفق قدراته وتوجيهات المختصين، يسهم في تعزيز ثقته بنفسه والحفاظ على استقلاليته قدر الإمكان.
وأضافت أن إبقاء المريض على صلة بمحيطه الاجتماعي، وتشجيعه على ممارسة أنشطة بسيطة تتناسب مع حالته، مثل متابعة الأخبار أو التسوق والتفاعل مع أفراد العائلة، يساعد على الحد من العزلة، مشيرة إلى أن الوعي بمرض الزهايمر أصبح أفضل مما كان عليه قبل سنوات، وإن كانت الحاجة إلى مزيد من التوعية لا تزال قائمة.
وفيما يتعلق بالباركنسون، لفتت رئيسة الجمعية إلى أن بعض المصابين قد يتوجهون في بداية ظهور الأعراض إلى أطباء العظام، بسبب التصلب العضلي أو اضطرابات الحركة، قبل اكتشاف طبيعة المرض، وهو ما دفع الجمعية إلى الاهتمام بتكوين الأطباء العامين وتعريفهم بالأعراض الجسدية التي تستدعي توجيه المرضى إلى المختصين.
وفي هذا الشأن، كشفت السيدة عبدلي بأن الجمعية نظمت 17 دورة تكوينية حضورية لفائدة العائلات ومرافقي المرضى، تناولت كيفية التعامل مع اضطرابات الذاكرة والسلوك والنوم والأكل والبلع، إلى جانب قضايا التغذية والحياة الأسرية، فضلًا عن التكوين عن بعد.
مطالب بمساعدات مادية واجتماعية
ولا تقتصر انشغالات الجمعية على الجانب التحسيسي، بل تمتد إلى المطالبة بإيجاد آليات عملية لدعم المرضى والأشخاص الذين يتكفلون بهم، بالنظر إلى ما تتطلبه الرعاية اليومية من وقت وجهد ونفقات قد تثقل كاهل العائلات.وفي هذا الإطار، دعا الطبيب جمال الدين عبدلي، المشارك في الحملة، السلطات المعنية إلى مساعدة مرافقي مرضى الزهايمر والباركنسون، مشيرًا إلى أن بعض الأسر تضطر إلى الاستعانة بأشخاص من خارج العائلة مقابل أجور، في حين يجد أفرادها أنفسهم أمام مسؤولية الجمع بين العمل والتكفل بالمريض.
وأوضح أن المصاب بالزهايمر قد يفقد تدريجيًا القدرة على تدبير شؤونه اليومية والتصرف بمفرده، ما يجعل وجود مرافق يتولى مساعدته ومراقبته أمرًا ضروريًا، بحسب تطور حالته، مضيفًا أن هذه المسؤولية قد تفرض على بعض أفراد الأسرة التخلي عن العمل أو تقليص نشاطهم المهني.
من جهتها شددت رئيسة الجمعية على ضرورة الاعتراف بمكانة مرافق المريض ضمن منظومة التكفل الاجتماعي، من خلال وضع إطار يضمن حقوقه، والنظر في تخصيص منحة أو راتب لمن يضطر إلى التوقف عن العمل للتفرغ لرعاية أحد أفراد أسرته. واستحضرت تجربتها الشخصية، موضحة أنها اضطرت إلى وقف مسيرتها المهنية في سن مبكرة لمرافقة والدتها المريضة على مدى 16 سنة.
كما تبرز الحاجة إلى دراسة سبل تخفيف الأعباء المادية عن العائلات، من خلال مساعدات موجهة لتوفير الأدوية والمستلزمات الضرورية، ومنها الحفاظات بالنسبة إلى المرضى الذين يحتاجون إليها، إلى جانب بحث صيغ دعم مالي واجتماعي تراعي وضعية كل أسرة واحتياجات المصاب.
11 سنة من التعايش مع الباركنسون
ومن بين الشهادات التي حملتها الحملة، شهادة حسين، البالغ من العمر 50 سنة، الذي يعيش مع مرض الباركنسون منذ 11 سنة، بعدما بدأت معاناته باضطرابات غير مألوفة في العضلات أثناء ممارسته الرياضة.
وقال إنه توجه في البداية إلى طبيب العظام، قبل أن يكتشف طبيب الأعصاب حقيقة إصابته، بعد تنبيه من ابنه إلى ضرورة استشارة مختص، مضيفًا أن التشخيص شكل بالنسبة إليه صدمة كبيرة، خاصة أنه كان يمارس الرياضة للحفاظ على صحته ولياقته البدنية.
وتعكس تجربته جانبًا من الصعوبات التي قد تواجه المصابين في بداية المرض، سواء في التعرف على الأعراض أو تقبل التشخيص والتكيف مع واقع جديد يفرض عليهم تغيير نمط حياتهم.
وتؤكد هذه الشهادات، إلى جانب انشغالات العائلات ومرافقي المرضى، أهمية استمرار المبادرات التحسيسية التي تجمع بين المعلومة الطبية الصحيحة والإصغاء إلى المرضى، مع ضرورة ترجمة الوعي المجتمعي إلى إجراءات ملموسة تحسن التكفل بهم، وتحفظ كرامتهم، وتخفف الأعباء عن أسرهم.






