منصّـــة فكريــــة لحمايـــة الذاكــــرة الوطنيـة وصناعــة الوعــي في العصــر الرقمــي
حـــوارات شاملــــة تستشرف “المجتمـــع الخــامس” وتحتفــي بتجربـــــة الأكـــاديميّين الشّعــراء
مقاربـــات نقديــة تفّـــك النـــص المولّـــد.. وتستحضــر ملحمــة التحريــــر وتستعيـــد إرث دودو
تسجّل عميدة الصحف الوطنية الجزائرية، جريدة “الشعب”، حضورا فكريا وثقافيا وازنا ضمن فعاليات الطبعة التاسعة والعشرين لصالون الجزائر الدولي للكتاب “سيلا 2026”، من خلال برنامج متنوّع يجمع بين قضايا الذاكرة الوطنية، وأسئلة التحرّر، ورهانات التحول الرقمي، وتحديات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب استعادة إسهامات رموز الفكر والأدب الجزائري.
تجمع التظاهرات الفكرية والأدبية نخبة من الأكاديميّين والمفكّرين والشعراء والخبراء، في لقاءات تسعى إلى مقاربة التحوّلات التي يشهدها المجتمع، ومناقشة أسئلة الثقافة والإبداع في ظل المتغيّرات التكنولوجية المتسارعة، فضلا عن الاحتفاء بأسماء أسهمت في تأسيس المتن النقدي والحداثي الجزائري.
أمجــــاد التحريــــــر.. الثــورة مدرســــة للإنسانيــة
يحضر البعد التاريخي والوجداني في صدارة البرنامج، تزامنا مع الاحتفاء بذكرى اندلاع ثورة أول نوفمبر المجيدة. وفي هذا السياق، تلتئم ندوة فكرية بعنوان: “ثورة التحرير الجزائرية.. مدرسة الإنسانية”، يؤطرّها الأكاديميّان الدكتور حسين عبد الستار والدكتور إلياس نايت قاسي، وتنطلق الندوة من المكانة التي تحتلها الثورة التحريرية باعتبارها تجربة تحرّرية ذات أبعاد إنسانية، ارتكزت على حق الشعوب في تقرير مصيرها، وربطت بين مقاومة الاستعمار والتمسّك بالقيم الأخلاقية والتضامن مع حركات التحرّر في العالم.
وتتوقّف الجلسة عند التجربة التاريخية للثورة، وما أفرزته من مبادئ وقيم تجاوزت حدود الصراع التحرّري الجزائري، لتتحول إلى مصدر إلهام في مسار النضال من أجل الكرامة والعدالة وحق الشعوب في الحرية. كما تفتح النقاش حول أبعادها الحضارية والتشريعية، ودورها في ترسيخ قيم مشتركة في الوعي الإنساني.
ويتكامل هذا البعد التاريخي مع الاحتفاء الجمالي بالذاكرة الوطنية، من خلال أمسية شعرية كبرى بعنوان “نوفمبر.. رسالة الأنوار”، يشارك فيها عدد من الشعراء الجزائريّين، يتقدّمهم مختار حامة، عفاف فنوح، حسين مامادي وسمية ضويفي، في موعد يستحضر ما تختزنه الذاكرة من معاني الانتماء والتضحية والتحرّر.
الذكاء الاصطناعي.. أسئلة المجتمع ومستقبل الإبداع
تواكب “الشعب” التحوّلات التكنولوجية المتسارعة من خلال ندوتين تضعان الذكاء الاصطناعي أمام أسئلة معرفية ونقدية تتّصل بمستقبل المجتمع والثقافة والإبداع، تخصّص الندوة الأولى لموضوع “الذكاء الاصطناعي.. سؤال المجتمع الخامس”، بمشاركة الدكتور عبد الرحمن هادف والأستاذ يزيد أقدال، وتبحث في سبل الانتقال نحو صناعة النشر الرقمي، وآليات تطوير البنية التحتية للكتاب الجزائري والعربي، بما يسمح بتعزيز حضوره في الفضاء الإلكتروني والاستفادة من التكنولوجيا في توسيع نطاق تداول المعرفة.
أمّا الندوة الثانية، فتحمل عنوان “النصوص المولّدة.. أدب أم أدب شبيه؟!”، بمشاركة الدكتور فيصل الأحمر، والدكتورة نجوى منصور، وتضع هذه الندوة التقنيات التوليدية الحديثة في قلب النقاش حول الفعل الإبداعي، في ظل قدرتها المتزايدة على إنتاج نصوص تمتلك قدرا من التماسك الأسلوبي والبناء البلاغي، وهو تطور يفرض إعادة النظر في عدد من المفاهيم المرتبطة بالأدب، وفي مقدّمتها الأصالة، وماهية الأثر الأدبي، والتجربة الوجدانية، وحدود المحاكاة في الكتابة.
معارك المعنى.. من صناعة الحقيقة إلى هندسة الوعي
تتّجه الجلسات الفكرية إلى أسئلة الاتصال والفضاء الرقمي، من خلال ندوة “معارك المعنى.. صناعة الحقيقة وهندسة الوعي”، التي يدير نقاشاتها الدكتور وحيد بن بوعزيز، والدكتور سليم حيولة.
وتنطلق الندوة من التحولات التي طرأت على طبيعة الصراعات الدولية، حيث أصبح الفضاء الرمزي ومنصّات الاتصال والرأي العام جزءا أساسيا من إدارة النزاعات. وفي هذا السياق، لم تعد السيطرة على الوقائع وحدها كافية، إذ أصبحت طريقة تقديمها وتأطيرها وصياغة الرواية المتعلقة بها عنصرا مؤثرا في تشكيل الإدراك العام، وتبحث الجلسة في منظومات إنتاج الخطاب داخل البيئة الرقمية، وفي العلاقة بين الكلمة والصورة والمعلومة في توجيه الوعي. كما تتناول آليات الهيمنة الرمزية التي تتيحها الوسائط الجديدة، وما تفرضه من تحديات على الذاكرة الجمعية وعلى القدرة على بناء سرد وطني موضوعي.
“أدباء الشعب”.. استعادة مشروع أبي العيد دودو
تفرد “الشعب” محورا احتفائيا بعنوان “أدباء الشعب”، يخصّص في هذه الطبعة لمسار الأديب والمترجم الراحل أبي العيد دودو، من خلال ندوة “أبو العيد دودو.. رهانات التأسيس الحداثي”، بمشاركة الدكتور عبد القادر بوزيدة، والدكتور عبد الحميد بورايو، وتسلّط الندوة الضوء على مسار أحد الأسماء البارزة في الجامعة الجزائرية والمشهد الثقافي، وعلى تجربة جمعت بين الكتابة السردية والتحقيق التراثي والنقد المقارن والترجمة، كما تتوقّف عند مشروعه في نقل عدد من أمهات النصوص في الفكر والأدب الألماني إلى العربية، إلى جانب إسهامه في التعريف بالأدب الجزائري وتقديمه في المحافل العالمية.
وتتيح استعادة تجربة أبي العيد دودو إعادة طرح سؤال التأسيس الحداثي في الثقافة الجزائرية، من خلال نموذج جمع بين البحث الأكاديمي والممارسة الأدبية والانفتاح على الثقافات الأخرى، كما تبرز الدور الذي يمكن أن تضطلع به الترجمة في بناء جسور معرفية بين الأدب الجزائري ومحيطه الثقافي العالمي.
“أكاديميــــون شعـراء”.. لقــاء البحـث بالمجـــــاز
جمال برنامج “الشعب” وأناقته، يتجلّيان في تجربة إبداعية تحمل عنوان “أكاديميون شعراء”، تجمع بين البحث الأكاديمي والتعبير الشعري، بمشاركة الأساتذة الدكاترة وسيلة بوسيس، آمنة بلعلى، فاتح علاق، علي ملاحي ومشري بن خليفة، وتمنح هذه الجلسة مساحة للكلمة الشعرية تتقاطع فيها المعرفة النقدية مع الحسّ الجمالي، حيث يلتقي الأكاديمي الذي ينشغل بمفاهيم النص وتحولاته مع الشاعر الذي يشتغل على اللغة باعتبارها تجربة ووجدانا وصورة.
وبهذا التنوع، يقدّم برنامج “الشعب” في “سيلا 2026” تصورا يتجاوز الحضور الإعلامي التقليدي إلى الانخراط في النقاشات التي تشغل الثقافة الجزائرية راهنا، فمن ذاكرة الثورة التحريرية إلى أسئلة الذكاء الاصطناعي، ومن صناعة الحقيقة في البيئة الرقمية إلى استعادة مشاريع التأسيس الحداثي، وصولا إلى الشعر، تتقاطع محاور البرنامج حول سؤال مركزي يتعلّق بدور الثقافة في فهم التحوّلات وحماية الذاكرة وصناعة المعنى.
ويؤكّد هذا الحضور أنّ مرافقة التحولات الكبرى لا تنفصل عن مسؤولية المؤسّسة الإعلامية في فتح فضاءات للنقاش، وإعادة قراءة التجارب المؤسّسة، واستشراف الأسئلة التي تفرضها التكنولوجيا على الثقافة والإبداع. وفي فضاء “سيلا”، حيث تلتقي الكتب والأفكار والأجيال، تتحول هذه اللقاءات إلى مساحة لاختبار قدرة الثقافة على أن تكون شاهدا على الذاكرة، وناقدا للراهن، وشريكا في صياغة المستقبل.






