رئيس الجمهورية جعل الذاكرة الوطنية ركيزة للهوية وحماية للسيادة
نقل ملف الذاكرة من الإطار المناسباتي إلى العمل المؤسساتي المنظـم
اختتمت، أمس، الجلسات الوطنية للتاريخ والذاكرة الوطنية التي نظّمتها وزارة المجاهدين وذوي الحقوق، تحت الرعاية السامية لرئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، بتوصيات شدّدت على ضرورة رقمنة الأرشيف الوطني، وتسريع جهود استرجاع الوثائق التاريخية الموجودة بالخارج، وتعزيز حضور الذاكرة الجزائرية في الفضاء الدولي، بما يضمن حماية الحقيقة التاريخية ونقلها إلى الأجيال الصاعدة.
وقرأ أستاذ العلوم السياسية، أحمد ميزاب، الإعلان الختامي للجلسات التي نظمت بالتنسيق مع المركز الوطني للبحث والدراسات في المقاومات الشعبية والحركة الوطنية وثورة أول نوفمبر، تحت شعار «ذاكرة وطن، تاريخ أمة، مستقبل أجيال».
وقال ميزاب إن الذاكرة الوطنية تشكّل ركيزة جوهرية للهوية الوطنية، وأساسا لصون مقومات الشخصية الجزائرية والحفاظ على وحدة الأمة، فضلا عن كونها تعبيرا جامعا عن قيم الشعب الجزائري ومبادئه وثوابته، ومرتكزا أساسيا لحماية السيادة الوطنية وتعزيز الوعي الاستراتيجي، وأضاف أن استحضار المسيرة التاريخية الحافلة بالتضحيات الجسام والنضالات المتعاقبة في سبيل الحرية، وما أبدته أجيال المقاومة الشعبية والحركة الوطنية وثورة أول نوفمبر المجيدة من بسالة وصمود وإرادة في مواجهة الاستعمار، وصولا إلى استرجاع السيادة الوطنية، يُعدّ جزءا أساسيا من مسؤولية الحفاظ على الذاكرة الوطنية وترسيخها.
وأشار ميزاب إلى أن صون الذاكرة الوطنية لا يتأتى من دون تعزيز حضورها في الفضاء الدولي، وتوثيق الجرائم الاستعمارية، والدفاع عن الحقيقة التاريخية، بما يسهم في مواجهة محاولات الطمس والتزييف، ويضمن إيصال الرواية التاريخية الجزائرية إلى الرأي العام الدولي.
وفي هذا السياق، ثمّن ميزاب – انطلاقا من توجيهات رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون – مبادرة تنظيم الجلسات الوطنية التي تعكس العناية التي يوليها رئيس الجمهورية لتاريخ الجزائر وذاكرتها الوطنية، وتجسّد إرادة سياسية واضحة للارتقاء بهذا الملف من إطار الاحتفاء بالمناسبات التاريخية إلى فضاء العمل الوطني المنظّم والتشاور المؤسساتي، بما يسمح ببناء رؤية متكاملة لحماية الذاكرة الوطنية وتثمين رصيدها التاريخي.
وقال في هذا الصدد: «نثمّن مبادراته الرامية إلى تثمين تضحيات الشهداء والمجاهدين، وتعزيز مكانة الذاكرة في الوجدان الوطني، وترسيخ حق الأجيال في معرفة تاريخ وطنهم ومآثره، والدفاع عن سيادة الجزائر».
وأبرز المتحدث أن هذه الرؤية تجعل من حماية الذاكرة الوطنية مسؤولية مشتركة والتزاما متواصلا تتوارثه الأجيال، مؤكدا أن تنظيم هذه الجلسات يشكّل محطة وطنية مهمة لتجديد العهد مع تاريخ الأمة، واستحضار مكتسبات التجربة الوطنية في مجال حفظ الذاكرة والتاريخ، واستشراف متطلبات المرحلة المقبلة، في ظل التحولات التكنولوجية والإعلامية المتسارعة وما تفرضه من رهانات جديدة على صون الحقيقة التاريخية وحماية الوعي الجماعي من التشويه والتزييف والطمس والنسيان.
رقمنـــــة الأرشــيــــف ومواجهـــــــة التزييــــــــف
ورافع المشاركون من أجل ترسيخ الوعي الوطني وتعزيز ارتباط الأجيال بهويتها، وضمان انتقال قيم الثورة الجزائرية ومبادئها من جيل إلى آخر، بما يكفل استمرارية الذاكرة الوطنية وصون رسالتها الحضارية، كما شدّدوا على ضرورة تسريع وتيرة رقمنة الأرشيف الوطني، وتعزيز قدرات المؤسسات المعنية، وتحسين ظروف حفظ الوثائق وإتاحتها للباحثين، وفقا للأطر القانونية المعمول بها، إلى جانب تثمين الجهود الرامية إلى استرجاع الأرشيف الوطني والوثائق المتصلة بتاريخ الجزائر والموجودة في الخارج.
وفي ضوء التحولات المتسارعة والعميقة التي أحدثتها البيئة الرقمية والتكنولوجية الحديثة، وما تتيحه من إمكانات واسعة لحفظ الذاكرة وتيسير الوصول إلى مصادرها وإنتاج المعرفة التاريخية، نبّه المشاركون إلى المخاطر المرتبطة بتداول المعلومات وتزييف الوثائق والصور، وإعادة إنتاج السرديات المغلوطة عبر الوسائط الرقمية وتقنيات الذكاء الاصطناعي.
وأكد المشاركون – في هذا الإطار – أهمية تطوير القدرات الوطنية في مجالات الرقمنة والتوثيق والتحقق من المصادر، وبناء قواعد بيانات موثوقة، وتعزيز الثقافة التاريخية، بما يضمن التعامل الواعي مع المحتوى الرقمي، ويحمي الذاكرة الوطنية من التلاعب والتضليل.
وتبرز هذه التوصيات أهمية الانتقال إلى مقاربة متكاملة لحماية التاريخ والذاكرة الوطنية، تجمع بين صون الأرشيف وتثمينه، وتعزيز البحث العلمي، وتطوير أدوات التوثيق الرقمي، وتوسيع نطاق التعريف بالتاريخ الجزائري دوليا، بما يحفظ للأجيال حقها في معرفة تاريخ وطنها، ويصون الذاكرة الوطنية باعتبارها ركيزة للهوية والسيادة.



