تعاون طويل بين بلدينا ضمن «أوبك +» ومنتدى الدّول المصدّرة للغاز
ندعو شركاءنا الرّوس إلى الاستثمار في القطاعات الحيوية كالطّاقة والمناجم والزّراعة
مشاريعنا المهيكلة انتقلت من الشّعارات إلى التّجسيد الميداني
نشيد بالموقف الرّوسي الثّابت بشأن تمكين الشّعب الصحراوي من حقّه في تقرير المصير
استكمال الأمن والاستقرار يمر عبر تصفية آخر بقايا الاستعمار بالصّحراء الغربية
مواصلة التّنسيق في المحافل الدولية حول أمّهات القضايا أهمّها قضية فلسطين
التّجارب أثبتت أنّ التّعاون الرّوسي الإفريقي قادر على تحقيق مكاسب ملموسة
إصلاح مجلس الأمن الدولي لتصحيح الظّلم التاريخي الواقع على إفريقيا
ترسيخ مبدأ الحلول الإفريقية للمشاكل الإفريقية.. وقارتنا فاعل رئيسي لا يمكن تجاوزه
قارتنا الغنيّة بتاريخها النّضالي المناهض للاستعمار متمسّكة بمبدأ تقرير المصير
لا لمنطق الأحادية والوصاية.. والعلاقات يجب أن تبنى وفق الندية والاحترام والمصالح المشتركة
التّدخّلات الأجنبية تغذّي التّوتّرات والأزمات.. وينبغي احترام سيادة الدول
مكافحة الإرهاب والجريمة لا يمكن أن تنجح بالوسائل الأمنية وحدها
بلادي تسخّر إمكانياتها لخدمة الاندماج القاري إلى جانب جهودها الدّبلوماسية
وجّه رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، الخميس، كلمة إلى المشاركين في قمّة روسيا-إفريقيا الثالثة المنعقدة بموسكو، قرأها الوزير الأول، السيد سيفي غريب، هذا نصّها الكامل:
«بسم الله الرّحمن الرّحيم والصّلاة والسّلام على أشرف المرسلين،
فخامة الرّئيس فلاديمير بوتين، رئيس روسيا الاتحادية،
فخامة الرّئيس إيفاريست نداييشييمي، رئيس جمهورية بوروندي والرئيس الحالي للإتحاد الإفريقي،
معالي السيد محمود علي يوسف، رئيس مفوّضية الاتحاد الإفريقي،
أصحاب الفخامة والمعالي رؤساء الدول والحكومات،
السيدات والسادة،
يطيب لي، في مستهل هذه الكلمة، أن أتقدّم إلى فخامة الرئيس بوتين، وإلى الشّعب الروسي الصديق، بإسم الجزائر شعبا وحكومة بالشكر على حسن الاستقبال وعلى التحضير الجيد لهذه القمة. وأشكر كذلك الاتحاد الإفريقي ومفوضيته على ما بذلاه في تنسيق المواقف الإفريقية. كما يطيب لي في هذا المقام أن أنقل إليكم تحيات السيد عبد المجيد تبون، رئيس الجمهورية، الذي حرص أن يحمل وفدنا رسالة واضحة، مفادها أن الجزائر تؤمن بأهمية علاقات قارتنا مع شركائها، وتعتبر روسيا الاتحادية في هذا الإطار من بين الشركاء الموثوقين، كما تعمل بلادي على ترجمة هذه العلاقات إلى تعاون مثمر ومستدام، يخدم المصالح المشتركة لشعوبنا.
يلتئم شملنا اليوم في هذه القمة الثالثة بعد سوتشي سنة 2019 وسان بطرسبورغ سنة 2023 لتقييم ما أنجز فعلا وما يستدعي مزيدا من التنسيق وضبط أولويات المرحلة المقبلة. وتأتي مشاركة الجزائر في هذا الموعد لتؤكّد التزامها الثابت بمواصلة العمل على تعزيز هذا المسار، انطلاقا من إيمانها الراسخ بأن العلاقات الدولية يجب أن تبنى على أساس الندية والاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، بعيدا عن منطق الأحادية والوصاية.
السيدات والسادة،
إنّ العالم اليوم يعيش تحوّلات عميقة غير مسبوقة تتسم ببروز توترات دولية متزايدة، وتحديات أمنية واقتصادية وبيئية متشابكة. وفي ظل هذا السياق المضطرب، تبرز الحاجة، اليوم أكثر من أي وقت مضى، إلى تكاثف الجهود لبناء نظام دولي أكثر عدالة وإنصافا.
وإنّ الجزائر، التي تشرّفت بتحمل مسؤولياتها كعضو غير دائم في مجلس الأمن الدولي خلال العامين الماضيين، لتؤكد مجددا على ضرورة إصلاح منظومة الأمم المتحدة، ولا سيما مجلس الأمن لتصحيح الظلم التاريخي الواقع على إفريقيا وفقا للقرارات والمواقف المشتركة للاتحاد الإفريقي، وأخص بالذكر توافق إزولويني (Consensus d’Ezulwini) وإعلان سرت (Déclaration de Syrte).
إنّ إصلاح مجلس الأمن لم يعد يمثل مجرد مسألة تفاوضية تحقق فيها مكتسبات وتجرى فيها بالمقابل تنازلات، بل أصبح يمثل مسألة عدالة وامتحان حقيقي للشرعية الدولية.
وفي خضم هذه التحولات، تبرز قارتنا الإفريقية كفاعل رئيسي لا يمكن تجاوزه وإن إفريقيا، التي طالما نادت بمبدأ «الحلول الإفريقية للمشاكل الإفريقية»، تؤكد اليوم تمسكها الراسخ بهذا المبدأ عبر منظمتها القارية الاتحاد الإفريقي بما تحوز عليه من ميكانيزمات وأطر والآليات الإقليمية المعنية بمسائل السلم والأمن.
فقارتنا الغنية بتاريخها النضالي والمناهض لكل أشكال الاستعمار والاستغلال وفرض الأمر الواقع، تبقى متشبثة بمبدأ تقرير المصير وفقا للشرعية الدولية.
وهنا نؤكّد أنّ استكمال الأمن والاستقرار في قارتنا يمر حتما عبر تصفية آخر بقايا الاستعمار في إفريقيا، ألا وهي قضية الصحراء الغربية. إن الجزائر تشيد بالجهود التي يبذلها مجلس الأمن الدولي، والتي أثمرت عن استئناف المفاوضات بين طرفي النزاع مطلع هذه السنة برعاية الأمم المتحدة.
وإنّنا إذ نثمّن هذه الخطوة، فإنّنا نغتنم هذه المناسبة لنعرب عن خالص تقديرنا لروسيا الاتحادية على موقفها الثابت والمبدئي الداعم لحق تقرير المصير، وعلى التزامها الراسخ بدعم المسار الأممي وجهود المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة، سعيا للتوصل إلى تسوية سياسية عادلة ودائمة ومقبولة من جميع الأطراف وفقا لمبادئ ميثاق الأمم المتحدة وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة.
كما تجدّد الجزائر دعمها لهذا المسار، وتؤكّد أن الحل العادل والدائم لا يستقيم إلا ضمن حل سياسي توافقي يضمن للشعب الصحراوي حقه الأصيل في تقرير مصيره وفقا للشرعية الدولية.
وفي السياق ذاته، نؤكّد أن التدخلات الأجنبية غير المشروعة في الشؤون الداخلية للدول الإفريقية، أيا كانت ذرائعها، لا تؤدي إلا إلى تغذية بؤر التوتر وتعميق الانقسامات وإطالة أمد الأزمات، مما يهدد السلم والأمن الإقليميين والدوليين، ويعرقل مسارات التنمية ويستنزف موارد شعوبنا.
وإنّنا نرى أن الاستقرار الحقيقي لا يمكن أن يستورد أو يفرض بالقوة، بل هو نتاج طبيعي لاحترام سيادة الدول ووحدة أراضيها، وللحوار السياسي الشامل الذي يقوده أبناء البلد أنفسهم.
وإن الجزائر، إذ تدرك يقينا أن الأمن والاستقرار في إفريقيا لا يمكن أن يتحققا بمعزل عن التنمية الاجتماعية والاقتصادية الشاملة، فإنها تدعو إلى مقاربة شاملة مثلما تمت بلورته من اقتراحات وتوصيات في التقارير السنوية التي يحيلها السيد رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، إلى قادة المنظمة القارية، بصفته نصير الاتحاد الإفريقي لمكافحة الإرهاب والتطرف العنيف في إفريقيا.
إنّ مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة العابرة للحدود، لا يمكن أن تنجح بالوسائل الأمنية وحدها، بل تتطلب معالجة الأسباب العميقة من خلال خلق فرص العمل وتحسين الظروف المعيشية. فالشباب الإفريقي، الذي يشكّل قوة دافعة هائلة يجب أن يجد في وطنه ما يحقق طموحاته، ليصبح فاعلا في البناء والتنمية بدلا من أن يكون ضحية للهجرة غير الشرعية أو التجنيد في الجماعات الإرهابية.
السيدات والسادة،
إنّ إيمان الجزائر العميق بوحدة المصير الإفريقي يترجم إلى أفعال ملموسة على أرض الواقع. فإلى جانب جهودها الدبلوماسية الحثيثة تسخر الجزائر إمكانياتها لخدمة الاندماج القاري. وفي هذا الإطار، تبرز مساهمة الوكالة الجزائرية للتعاون الدولي من أجل التضامن والتنمية التي تعمل على تمويل وإنجاز مشاريع تنموية في عدة دول إفريقية شقيقة، خاصة في مجالات البنية التحتية والصحة والتعليم والطاقة، تجسيدا لمبدأ التضامن الفعال.
هذا وقد احتضنت الجزائر في سبتمبر 2025 المعرض الإفريقي للتبادل التجاري، وهو موعد جمع المتعاملين الاقتصاديين من مختلف أنحاء القارة لدعم تفعيل منطقة التبادل الحر القارية. وإلى جانب هذه المبادرات، تواصل الجزائر جهودها لتسهيل حركة الأشخاص والسلع والخدمات عبر حدودها، وتعزيز التعاون الاقتصادي مع دول الجوار.
أما فيما يتعلق بالمشاريع الهيكلية الكبرى، تعمل الجزائر على أن تكون هذه المشاريع أكثر من مجرد شعارات عبر الانتقال إلى مرحلة التجسيد، فمنذ جوان 2026، تمّ الإعلان عن الانطلاق من أدرار في أشغال المقطع الجزائري من أنبوب الغاز العابر للصحراء (الجزائر – النيجر – نيجيريا)، والذي من شأنه أن يعزز الأمن الطاقوي الإقليمي والدولي، ويوفر فرصا هائلة للتنمية في دول العبور.
كما نؤكّد على أهمية الطريق العابر للصحراء الذي سيفتح آفاقا تجارية جديدة بين دول الشمال والجنوب، إلى جانب مشروع الألياف البصرية العابر للصحراء، الذي سيساهم في ربط القارة بشبكات الاتصال الحديثة وتقليص الفجوة الرقمية.
إنّ هذه المشاريع وغيرها من المبادرات الرامية لتفعيل منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية تشكل حجر الزاوية لبناء إفريقيا مزدهرة ومندمجة قادرة على أن تكون شريكا فاعلا في الاقتصاد العالمي.
ومن هذا المنطلق، فإنّنا ندعو شركاءنا الروس، حكومة ومتعاملين اقتصاديين إلى الاستفادة من هذه الديناميكية عبر الاستثمار في القطاعات الحيوية، كالطاقة والمناجم والزراعة والتحول الرقمي والبنية التحتية، خاصة في ظل مساعينا المشتركة لتطوير سلاسل القيمة المضافة داخل القارة، لقد أثبتت التجارب أن التعاون الروسي – الإفريقي عندما يدمج في رؤية استراتيجية متكاملة، قادر على تحقيق مكاسب ملموسة للطرفين.
السيدات والسادة،
تربط الجزائر بروسيا علاقات تاريخية متينة رسّخها التصريح المتعلق بالشراكة الاستراتيجية المعمّقة الموقع سنة 2023، ويدعمها تعاون طويل في إطار «أوبك +» و»منتدى الدول المصدرة للغاز». ونرى أن الشراكة الحقيقية مع الشركاء الدوليين، بما في ذلك روسيا، تكون قائمة على مبدأ التكامل وتعزيز القدرات الذاتية، مما يتيح إنتاج الثروة وخلق فرص العمل محليا، بدل أن تقتصر على تصدير المواد الخام. وهذه هي الشراكة التي نريدها لبلدنا ولقارتنا: متوازنة، تفيد الطرفين، وتحترم خيارات كل جهة.
وفي ظل عالم متعدّد الأقطاب، تدعو الجزائر إلى مواصلة التنسيق مع روسيا الاتحادية في المحافل الدولية حول القضايا ذات الاهتمام المشترك، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، فبعد أكثر من سنة على وقف إطلاق النار في غزة، لا تزال الخروقات متواصلة، والوضع الإنساني خطيرا، والمرحلة الثانية من الاتفاق متعثّرة. ولن يحل السلام في المنطقة، وقد اتّسعت رقعة التوتر فيها، دون تمكين الشعب الفلسطيني من دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.
السيدات والسادة،
لا يفوتني في هذا المقام أن أثير مسألة بالغة الخطورة على حاضر ومستقبل القارة الإفريقية، ألا وهي التغيرات المناخية. إن إفريقيا، التي تعاني من تبعات هذه الظاهرة رغم أن مساهمتها في الانبعاثات العالمية ضئيلة جدا، تجد نفسها في مواجهة موجات جفاف حادة، وفيضانات مدمرة وحرائق واسعة النطاق، وتصحر زاحف، وتهديدات مباشرة للأمن الغذائي والمائي.
وإنّنا نؤكّد أن مواجهة هذه التحديات تتطلب التزاما دوليا حقيقيا بتقديم الدعم المالي والتقني للدول الإفريقية، وفقا لمبدأ «المسؤوليات المشتركة ولكن المتباينة»، وبترجمة التعهدات التي صدرت عن مؤتمرات المناخ الأخيرة، ومنها مؤتمر بيليم (Conférence de Belem)، إلى التزامات ملموسة. وهي مسألة تلتقي مع موضوع الماء والصرف الصحي الذي اختاره الاتحاد الإفريقي عنوانا لسنة 2026.
وفي الختام، أجدّد لفخامتكم شكري وامتناني، مؤكدا أن الجزائر ستظل شريكا صادقا وموثوقا لكل من يسعى لبناء مستقبل أفضل لقارتنا وشعوبنا، وإنّنا نتطلع إلى أن تخرج أشغال قمّتنا هذه بنتائج ملموسة، تسهم في تعزيز الشراكة الاستراتيجية الروسية – الإفريقية، وتضع أسسا راسخة لتعاون مثمر ومستدام، في خدمة الأمن والتنمية والازدهار لشعوبنا الصديقة.
والسّلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته».




