ليس أصعب على الإنسان من أن يُجبر على الكبر قبل أوانه، وأن يودّع طفولته قبل أن يكتمل فرحها، ويستبدل أحلامه البسيطة بأسئلة النجاة والخوف والبحث عن الأمان. في غزة، لم تكن الحرب مجرد دمار أصاب البيوت والشوارع، بل زلزالا إنسانيا أعاد تشكيل حياة جيل كامل، وسرق من شبابه سنوات كان ينبغي أن تكون للعلم واللعب وبناء المستقبل. ومن بين ركام هذه التجربة، ينهض القلم شاهدا على ما حدث، وحارسا لذاكرة لا يجوز أن تُترك للنسيان.
من قلب هذه الحكاية، يخوض الكاتب الفلسطيني الشاب أنس نعيم البشيتي تجربته الأولى في التأليف والنشر من خلال كتابه «حين كبرنا قبل أواننا»، الذي يقع في 128 صفحة باللغة العربية. وهو عمل أدبي توثيقي يسعى إلى حفظ جانب من ذاكرة شباب غزة، ونقل حكاياتهم من حدود التجربة الشخصية إلى فضاء الشهادة الإنسانية.
ينطلق الكتاب من تفاصيل الحياة قبل الحرب، ويمر بتجارب النزوح وفقدان المنزل والمدرسة والاستقرار، ويتوقف عند الصعوبات التي واجهت الشباب في مواصلة تعليمهم وحياتهم اليومية. وبين هذه التحوّلات، يحضر معنى العائلة والصداقة والتطوّع والأمل، بوصفها مساحات إنسانية يتمسك بها الإنسان حين تضيق به الظروف.
وتنبع خصوصية تجربة أنس من كونه شابا وطالبا في المرحلة الثانوية، عاش آثار الحرب والنزوح، ويحاول أن يمنح أبناء جيله صوتا ومساحة للتعبير. فهو يتعامل مع الكتابة باعتبارها مسؤولية ثقافية وإنسانية تحفظ التجارب من النسيان، وتمنح الأجيال القادمة فرصة للتعرّف إلى ما عاشه الشباب الفلسطيني في واحدة من أصعب مراحل حياتهم.
إن عنوان الكتاب يختصر مفارقة قاسية: كيف يمكن للإنسان أن يكبر قبل أوانه، حين تتحوّل الطفولة إلى خوف، والدراسة إلى معركة للاستمرار، والبيت إلى ذكرى يحملها النازح معه أينما ذهب؟ إنها أسئلة تتجاوز حدود السيرة الفردية، لتلامس واقع جيل وجد نفسه أمام مسؤوليات أكبر من عمره، من دون أن يتنازل عن حقه في التعلم والحياة والحلم.
وتكمن أهمية هذا النوع من الكتابة في أنه يتجاوز صور الدمار إلى الإنسان الذي يقف خلفها؛ الطالب الذي ينتظر فرصة للعودة إلى مقعده، والأسرة التي تبحث عن الأمان، والشاب الذي يحاول أن يصنع من الألم معرفة، ومن التجربة شهادة، ومن الكلمة جسرا يصل حكاية غزة بالعالم. هنا تصبح الذاكرة فعلا إنسانيا يحمي تفاصيل الحياة من الغياب.
وبالنسبة إلى أنس البشيتي، تمثل هذه التجربة الأولى بداية طريق أدبي وثقافي يحتاج إلى القراءة والحوار والنقد البنّاء، وإلى فرص تتيح وصول الكتاب إلى المكتبات والمنصات الثقافية والقراء المهتمين بالأدب الفلسطيني والتوثيق الإنساني؛ فالمواهب الشابة التي تكتب من قلب التجربة تستحق أن تجد من يقرأها، ويفتح أمامها المجال للتطور والاستمرار.
قد تنتزع الحرب البيوت، وتبدّل ملامح المدن، وتسرق من الشباب سنوات كان ينبغي أن تكون مليئة بالتعلم والفرح، لكنها لا تستطيع أن تصادر حقهم في رواية حكايتهم. ومن خلال «حين كبرنا قبل أواننا»، يمد أنس نعيم البشيتي خيطا من الذاكرة نحو المستقبل، ليقول إن جيل غزة، مهما أثقلته الخسارات، ما زال يملك قلما يحكي، وإرادة تقاوم النسيان، وحلما ينتظر أن يصبح واقعا.
– أنس نعيم البشيتي يخوض تجربته الأولى في التأليف، ويوثّق حكاية الشباب الفلسطيني بين الحرب والنزوح والإصرار على الحياة





