الفيتـــو الروســـي يجهض المساعـي المغربيـــة لتمريـــر المقـــترح الأمريكــــي
يبدو بأنّ شدّة الضربة التي تسبّب فيها الفيتو الروسي كانت شديدة الوقع على المغرب إلى درجة أنها أفقدته توازنه حتى بدأ يهذي بكلام غير منطقي ولا معقول، متوهّما بأنه قادر على الحلول محل الأمم المتحدة ومجلس الأمن ليصدر أوامر وقرارات لا تخدم غير مصالحه ولا تحقق غير مخططاته الاستعمارية دون الالتفات إلى الشرعية الدولية ولا اللوائح الأممية.
لم يجد المغرب، وهو يقع في مأزق كبير بعد إجهاض مشروع القرار الذي كان يعوّل عليه لترسيخ احتلاله في الصحراء الغربية، غير إصدار بلاغ ملكي، أراده مسكّنا لجرحه النازف، يزعم من خلاله انتهاء مهام بعثة الأمم المتحدة لتنظيم الاستفتاء في الصحراء الغربية (المينورسو)، وطي ملف قضية الصحراء الغربية.
البلاغ، وما تضمنه من أضغاث أحلام، لم يعكس خيبة أمل المغرب نتيجة هزيمته الدبلوماسية الكبيرة فقط، بل أكّد حجم الوجع الذي يتخبّط فيه بعد أن وجّه له الفيتو الروسي طعنة زلزلت كيانه وقضت على أوهامه التي رفع سقفها عاليا، معتقدا بأن الانحياز الأمريكي لطرحه الاستعماري والاحتماء بالكيان الصهيوني سيمكّنانه من ترسيم احتلال الصحراء الغربية وإعلان الانتصار الأكبر الذي كان قد جهّز له بترتيب احتفالات كبرى تحت مسمى «عيد الوحدة».
لقد اعتقد المغرب بأنه وضع الصحراء الغربية في جيبه إلى الأبد مستغلا تآكل النظام الدولي القائم على القواعد وتحالفاته مع قوى تدوس على الشرعية الدولية صباحا ومساء، وعلى رأسها الكيان الصهيوني. لكن جاء الفيتو الروسي ليعيده إلى الواقع، وليؤكّد له وللعالم أجمع بأنه مثلما هنالك جهات تسعى إلى تكسير مجاديف القانون الدولي وتجاوز اللوائح الأممية، هناك دول متمسّكة بحماية حقوق الشعوب والشرعية التي باتت في السنوات الأخيرة عرضة للانتهاك والتعدي والخرق.
«الفيتو» يسقط المؤامرة
لقد بدا مشروع القرار الأمريكي منذ طرح مسودته الأولية الأسبوع الماضي أنه منحاز للاحتلال المغربي ومجحف لحق الصحراويين، بل وقالت الكثير من الأطراف بأنّ عواقبه ستكون وخيمة على أمن واستقرار المنطقة، لهذا لم يكن بالإمكان اعتماده بصيغته المطروحة، ما اضطرّ روسيا لاستخدام حق النقض (الفيتو) لإسقاطه.
وجاء التحرك الروسي بعد ساعات من توزيع موسكو مشروع قرار بديل، لإنقاذ عملية السلام في الصحراء الغربية ومستقبل بعثة (المينورسو).
وكان المشروع الأمريكي يمنح ما يسمى «الحكم الذاتي»، وهو مخطط مغربي، مكانة مركزية في العملية السياسية، باعتبارها الحل الأكثر قابلية للتطبيق، مع الدعوة إلى إعادة النظر في هيكلة البعثة الأممية ومهامها من خلال تجريدها من مهمة تنظيم الاستفتاء التي أنشئت في الأساس من أجلها.
في المقابل، تجنب المشروع الروسي الإشارة إلى «الحكم الذاتي»، وشدّد على الدعوة إلى حل عادل ودائم ومقبول من الأطراف، يتماشى مع مبادئ ومقاصد ميثاق الأمم المتحدة، بما في ذلك مبدأ تقرير المصير.
كما نص المشروع الروسي على تمديد ولاية المينورسو حتى 31 أكتوبر 2027، مع مطالبة الأمين العام للأمم المتحدة بتقديم إحاطات منتظمة إلى مجلس الأمن بشأن تطورات الملف.
لا لتقويض جهود التسوية
هذا، وانتقد مندوب روسيا الاتحادية لدى الأمم المتحدة، الجمعة، الطريقة التي تعاملت بها الولايات المتحدة مع إعداد مشروع القرار بشأن الصحراء الغربية، معتبراً أن واشنطن سعت إلى فرض مقاربة أحادية دون إجراء مشاورات كافية مع بقية أعضاء مجلس الأمن، وأن مشروعها يهدد بتقويض ما تحقق من جهود سابقة لتسوية النزاع.
وقال المندوب الروسي، في تفسيره لموقف بلاده خلال جلسة مجلس الأمن المنعقدة يوم 30 أكتوبر، إن الولايات المتحدة عرضت مشروع قرارها قبل استكمال المشاورات الضرورية للتوصل إلى تسوية توافقية، مشدداً على أن فرض حلول أحادية دون مناقشات جدية بين الأطراف المعنية لن يؤدي إلا إلى طريق مسدود.
ضرورة استمرار بعثة المينورسو
وانتقد المندوب الروسي محاولة جعل المقترح المغربي للحكم الذاتي أساساً للتسوية، معتبراً أن النص أغفل مبدأ تقرير المصير الذي يشكل عنصراً أساسياً في العملية السياسية التي ترعاها الأمم المتحدة.
وتوقف المسؤول الروسي عند المقترحات المتعلقة بتغيير تسمية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية (المينورسو)، معتبراً أن حذف حرف من اسم البعثة قد يبدو تغييراً شكلياً، لكنه يحمل دلالات سياسية تتعلق بالتخلي عن الاستفتاء ومبدأ تقرير المصير اللذين ارتبطا بإنشاء البعثة.
وشدد على ضرورة استمرار بعثة المينورسو في أداء مهامها.
وفي الأخير، نعود إلى البلاغ الذي أصدره الديوان الملكي المغربي والمتضمن انتهاء تفويض بعثة (المينورسو)، وطي ملف قضية الصحراء الغربية، لنستحضر قرارات مجلس الامن بشأن هذه المسألة، فالمصير القانوني للبعثة الأممية لا يمكن أن يحدده الاحتلال المغربي بقرار أحادي، وتعثر تمديد ولايتها لا يعني مطلقا أن موظفي البعثة ومراقبيها العسكريين ومعداتها سيغادرون المنطقة تلقائياً في اليوم التالي، كما يتوهم المخزن.
إن تصفية أي بعثة أممية تقتضي قرارا وترتيبات إدارية ولوجستية وأمنية تتجاوز الاحتلال المغربي، كما أنه من الناحية القانونية، لا يمكن سحب القضية الصحراوية من مجلس الأمن فقط لأن المغرب يريد ذلك، بل سيواصل مجلس الامن النظر في القضية تلقائيا وعقد الاجتماعات الدورية والتقارير والإحاطات المتعلقة بها، وسيواصل المبعوث الأممي القيام بدوره.
كما أن قضية الصحراء لا تقتصر على مجلس الأمن، بل تندرج أيضاً ضمن أعمال أجهزة أممية أخرى، بينها الجمعية العامة ولجنتها المعنية بإنهاء الاستعمار. ولا يؤدي قرار يتعلق ببعثة حفظ السلام إلى إنهاء نظر تلك الأجهزة في القضية بصورة آلية.



