الجزائريــون يـــد واحــدة.. وجرائـــم الاستعمــار لـــن تسقــط بالتقـــــادم
الاستقــلال يتعمّـــق باستقـــلال اقتصـــادي وقــــرارات سياديــة
لا تراجــع عـن الطابع الاجتماعي للدولــة.. والمواطــن أســاس البنــاء والنّمــاء
تحيي الجزائر الذكرى الثانية والسبعين لاندلاع ثورة أول نوفمبر المجيدة، مستحضرة مسار شعب واجه الاستعمار الفرنسي وانتزع استقلاله، وأسّس لدولة حدّد بيان أول نوفمبر أبرز معالمها قبل استرجاع السيادة الوطنية. وتعيد المناسبة ترسيخ استمرار هذا المشروع في خيارات الجزائر، من الحفاظ على الطابع الاجتماعي للدولة وسيادة القرار الوطني، إلى مساندة الشعوب المكافحة من أجل الحرية، والمطالبة بعلاقات دولية أكثر عدلا، تتيح للدول النامية المشاركة في صناعة القرارات التي تؤثر في مستقبلها.
تكتسب العودة إلى نوفمبر أهميتها من وضوح الأهداف التي جمع عليها الجزائريّون، فقد ربط التحرير بإقامة دولة ديمقراطية واجتماعية، وجعل الاستقلال مسؤولية جماعية تتجاوز إنهاء الوجود الاستعماري إلى بناء مؤسّسات تخدم الشعب الجزائري وتصون حقوقه، ويحضر هذا الارتباط في توجّهات رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، الذي أكّد في أكثر من مناسبة تمسّكه بالطابع الاجتماعي للدولة، باعتباره خيارا مرتبطا بمبادئ الثورة والتزامات الدولة تجاه المواطنين.
توحيد الفعل الثوري
جاء اندلاع الثورة الجزائرية بعد عقود من المقاومة الشعبية والنضال السياسي المتواصل، واجه خلالها الجزائريّون مصادرة الأراضي والإقصاء ومحاولات طمس هويّتهم، وكشفت مجازر الثامن ماي 1945 حدود الوعود الاستعمارية، ودفعت قطاعا واسعا من الحركة الوطنية إلى الاقتناع بضرورة التحضير للكفاح المسلّح، خصوصا مع استمرار القمع وانسداد الآفاق أمام المطالب الوطنية، رغم التضحيات التي قدّمها الجزائريّون ومساهمتهم في الحرب ضدّ النازية.
وتدرّج التحضير عبر تجارب تنظيمية، من بينها المنظمة الخاصة، وصولا إلى اللّجنة الثورية للوحدة والعمل واجتماع مجموعة الاثنين والعشرين، ثمّ تولي مجموعة الستة ضبط ترتيبات الانطلاق.
وفي ليلة أول نوفمبر، بدأت العمليات المسلّحة في مناطق مختلفة من الوطن، بالتزامن مع إعلان جبهة التحرير الوطني ونشر بيان أول نوفمبر خاطب الشعب الجزائري وحدّد أهداف الثورة ووسائلها، وشرح للعالم طبيعة القضية الجزائرية باعتبارها قضية تحرّر وطني.
وأعطى هذا الجمع بين العمل المسلّح والبرنامج السياسي للثورة اتجاها واضحا، فالمطلوب استرجاع السيادة وإقامة الدولة الجزائرية، مع جمع الطاقات الوطنية حول هدف مشترك. كما فتح البيان باب الانخراط أمام الجزائريّين بمختلف اتجاهاتهم، على أساس المصلحة الوطنية، وهو ما ساعد على توسيع القاعدة الشعبية للكفاح، وتحويله تدريجيا إلى مواجهة شاملة للاستعمار سياسيا وعسكريا ودبلوماسيا.
وأثبت مسار الثورة أنّ وحدة الشعب وتنظيم جهوده كانا شرطين لانتزاع الاستقلال، رغم اختلال موازين القوة وحجم القمع الاستعماري. ومن هذه التجربة استمدت الجزائر إدراكها لأهمية التماسك الداخلي، فصون السيادة اليوم يرتبط أيضا بقدرة المؤسّسات على الاستجابة لانشغالات المواطنين، وتوسيع مشاركتهم، وحماية الثقة التي تجمعهم بدولتهم، إلى جانب ضمان الأمن والدفاع عن المصالح الوطنية.
التحــرّر والتحريـــر..
نقلت الجزائر، بعد الاستقلال، تجربتها إلى علاقاتها الخارجية، فاستقبلت حركات التحرّر وقدمت لها أشكالا من الدعم السياسي والمادي والتكوين، وساندت مقاومة الاستعمار والتمييز العنصري في إفريقيا. وجمعها بهذه الحركات فهم مشترك لمعنى الحرمان من الأرض والحقوق، ولذلك احتلت مكانة بارزة في حركة عدم الانحياز، وفي الجهود الرامية إلى توسيع حضور الدول المستقلة حديثا داخل المؤسّسات الدولية.
واستمرّت القضية الفلسطينية في صلب هذا الالتزام، من دعم منظمة التحرير الفلسطينية إلى احتضان إعلان قيام دولة فلسطين بالجزائر سنة 1988، وصولا إلى الدفاع عن حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية.
ويواصل رئيس الجمهورية تأكيد هذا الموقف في خطاباته، فيما تسنده الدبلوماسية الجزائرية بالمطالبة بإنهاء الاحتلال وحماية الفلسطينيين ودعم حضور دولتهم في الأمم المتحدة.
وفي سياق متّصل، تدافع الجزائر عن حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير، وتدعم تسوية القضية في إطار الأمم المتحدة ومسار تصفية الاستعمار. ويربط هذا الموقف بين تجربة الجزائر ومبدأ حق الشعوب في اختيار مستقبلها، كما يفسّر استمرار القضية ضمن أولويات سياستها الخارجية، انطلاقا من موقف يرفض فرض الأمر الواقع على الشعوب ويدعو إلى احترام الشرعية الدولية.
وامتد هذا التصور إلى الاقتصاد، إذ أدركت الجزائر أنّ الدول المستقلة تحتاج إلى التحكّم في ثرواتها وتوسيع فرص تنميتها. وبرز هذا التوجّه في قمة عدم الانحياز بالجزائر عام 1973، ثم في الدعوة إلى إقامة نظام اقتصادي دولي جديد، التي دافع عنها الرئيس هواري بومدين أمام الأمم المتحدة عام 1974، لتقليص الاختلالات بين الدول الصناعية والدول النامية.
ويتواصل هذا المطلب في دفاع الجزائر عن تمثيل أكثر إنصافا لإفريقيا في مجلس الأمن، وإصلاح المؤسّسات الدولية، وتمكين البلدان النامية من التمويل والتكنولوجيا. كما ينسجم خطاب رئيس الجمهورية بشأن التعاون الإفريقي مع هذا المسار، فاستقلال القرار يحتاج إلى اقتصاد منتج وشراكات تستجيب لحاجات الشعوب، وتمنحها القدرة على استغلال مواردها وتحديد أولوياتها بعيدا عن علاقات التبعية.
بيان نوفمبر.. مرجع الحاضر والمستقبل
حدّد بيان أول نوفمبر غاية الاستقلال بإقامة «الدولة الجزائرية الديمقراطية الاجتماعية ذات السيادة ضمن إطار المبادئ الإسلامية»، ونصّ على احترام الحريات الأساسية دون تمييز عرقي أو ديني. وجمع بذلك بين السيادة والحقوق والعدالة الاجتماعية، وأكّد الشخصية الجزائرية في مواجهة السياسات الاستعمارية، مع وضع أساس سياسي يسمح بجمع المواطنين حول دولة مستقلة ومصلحة وطنية مشتركة.
وأكّد رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، هذا الارتباط في خطابه للأمة أمام البرلمان بغرفتيه، بقوله: «الجزائر دولة اجتماعية ولن نتخلى عن هذا المنهج»، مشدّدا، بخصوص بيان أول نوفمبر الذي تأسّست عليه الدولة الجزائرية، على أنه «لن نعوّضه ولن يكون غيره». ويحدّد هذا الموقف موقع البيان في توجّه الرئيس، باعتباره مرجعية لاختيار طبيعة الدولة والتزاماتها تجاه الشعب، فالثورة التي جمعت الجزائريّين لاسترجاع سيادتهم وضعت العدالة الاجتماعية ضمن أهداف الاستقلال، وربطت بناء الدولة بحق المواطنين في حياة كريمة، بعد عقود من الإقصاء والحرمان تحت الاستعمار.
وأوضح الرئيس تبون مضمون هذا الالتزام بقوله: «لن نوقف المساعدة الاجتماعية الموجّهة للمواطن البسيط، فهي من حقّه»، مستعرضا القرارات والبرامج المتعلقة بالسكن والتعليم والصحة. ويؤكّد وصف المساعدة بأنها حق للمواطن ومسؤولية الدولة في حمايته، ويجعل الحفاظ على الخدمات الأساسية ودعم الفئات الهشّة جزءا من الوفاء بالاختيار الاجتماعي الوارد في بيان نوفمبر. كما يرتبط استمرار هذا الاختيار ببناء اقتصاد منتج يوفّر العمل والموارد اللازمة لتمويله، حتى تتواصل استفادة الأجيال المقبلة من الحقوق التي أتاحها الاستقلال.


