صمّــــام أمــان الجمهوريــة وقاطـــــرة الصناعــــة والاستقـــــرار
مدارس عسكريـة مثاليــة.. احترافيــة وجاهزيـة جـوّا وبحــرا وبـرّا
مكافحـــة الإرهــــاب والجريمــــة وحمايــــة الحـــدود.. نصـر وفخــــر
روينـــة لـ”الشعـب”: الجيش شريك في بنـاء الدولة وتنفيــذ وتأمـــــين التنمية
رقيــق لـ”الشعب”: جهـود جيشنــا التضامنيـة مفتاح للأمـن القومي الشامل
من يمتلك جيشا قويا يمتلك قراره وسيادته، ويكون قادرا على فرض سلطته على أرضه ومقدّراته؛ فلا أطماع، ولا إيعازات ولا تجاوز للحدود والحياض قيد أنملة، والجزائر بمؤسّستها العسكرية السليلة تُمثِّل أنموذجا حيّا في استقلالية الإرادة والمصير والمسار والخيار بفضل جيشها العتيد، الذي صنع ملاحم النصر والإباء منذ اندلاع ثورة أول نوفمبر المجيدة في خمسينيات القرن العشرين.
من أجل حرية الجزائر واستقلاها ووحدتها، بذل الجيش الوطني الشعبي سليل جيش التحرير الوطني الغالي والنفيس حتى رُويَت الأرض بالدّماء الزكية إبّان ثورة التحرير المجيدة وعشرية الإرهاب الدموي، في سبيل حماية الجمهورية، وصون مؤسّساتها وسيادتها، وأثبت للعدو المتربّص بالبلاد في الحاضر، أنّ الجزائر وأمنها واستقرارها خط أحمر، لا يتجاوزه أحد مهما كانت هويته وحجمه، ومهما امتلك من العدّة، والعتاد.
وحقّق الجيش الجزائري معادلة الأمن القومي في كل ربوع الوطن المفدى بعد الاستقلال مباشرة، فكانت يد تعمّر وتشيّد وتبني، والأخرى تحرص وتدحر الإرهاب والجريمة بكل أنواعها، مُحوّلا الجزائر بجاهزيّته القصوى وكفاءته العالية واحة للاستقرار والإزدهار والتنمية المستدامة في فضاءٍ جغرافي هشّ سياسيا وأمنيا.
كما رافق كل مشاريع الدولة الكبرى على غرار إطلاق منجم غارا جبيلات بولاية تندوف في الرّاهن، بعد إنجاز أطول خط للسكة الحديدية في الصّحراء مرافق لهذا المكسب الاقتصادي الاستراتيجي.
من بندقية الثورة إلى حماية السيادة
أكّد الخبير الأمني، الدكتور علي روينة، أنّ الجيش الوطني الشعبي ولد من رحم الثورة التحريرية المجيدة، ومن تضحيات جيش التحرير الوطني الذي خاض واحدة من أعظم حروب التحرّر في القرن العشرين، وعندما استقلّت الجزائر لم تكن أمام جيش التحرير مهمة وضع السلاح بل كانت أمامه مهمة أخرى لا تقلّ صعوبة، وهي تحويل قوة الثورة إلى مؤسّسة عسكرية لدولة محورية ذات سيادة.
وأوضح الدكتور علي روينة، في تصريح خصّ به “الشعب”، أنّ الدولة الجزائرية لم تكن قد أكملت عامها الأول بعد الاستقلال، حتى وجدت نفسها أمام اختبار عسكري حقيقي، حيث اندلعت حرب الرمال على الحدود الغربية في 1963، فوجد الجيش الوطني الشعبي نفسه مضطرا للدفاع عن الحدود ومواجهة حماقة المخزن الأرعن. وكانت الجزائر حينها خارجة من حرب تحرير طويلة، ومع ذلك أثبت جيشها أنّ حداثة الدولة لا تعني ضعفها، وأنّ السيادة التي انتُزعت بالتضحيات لا يمكن التفريط فيها بأي شكل من الأشكال.
ومنذ ذلك التاريخ، بحسب روينة، ظلّ الجيش الوطني الشعبي في مقدمة المدافعين عن الحدود وحياض الوطن، خاصة خلال الأزمات والتوترات التي عرفتها المنطقة، وظلّت المعادلة بالنسبة للمؤسّسة العسكرية الجزائرية واضحة، وتعتبر الحدود ليست مجرّد خطوط على الخريطة وإنّما هي عنوان السيادة الوطنية.
ولم يحصر الجيش الجزائري مهمته في الدفاع عن الجزائر وحدها، فقد شارك في الحروب العربية ضدّ الاحتلال الصّهيوني، ووقف إلى جانب القضايا العربية والإفريقية العادلة في مراحل تاريخية مختلفة، انطلاقا من موقف الجزائر الثابت تجاه رفض الاستعمار. وفي الداخل كان السّليل شريكا في بناء الدولة، وساهم في تنفيذ وحماية مشاريع التنمية، وتشييد القرى الفلاحية والسد الأخضر وطريق الوحدة الإفريقية وغيرها من المشاريع التي تطلّبت إمكانات بشرية ولوجستية وتنظيمية ضخمة، إذ كان السلاح لحماية الوطن واليد لبناء الجزائر عندما احتاجت إلى كل أبنائها، وفقا له.
جدار الصّد الأول للكوارث
عندما ضرب زلزال الأصنام “الشلف حاليا” سنة 1980، أبرز روينة، أنّ الجيش الوطني الشعبي كان في مقدمة المتدخّلين لإغاثة السكان وإنقاذ المنكوبين. وتكرّر المشهد في الزلازل والفيضانات والحرائق والثلوج وغيرها من الكوارث التي ألمّت ببلادنا في حقب زمنية مختلفة، أين بادر إلى فتح الطرقات، ونقل المؤونة، وإجلاء المواطنين، وفكّ العزلة عن القرى والمداشر، وإسناد أجهزة الحماية المدنية ومختلف أسلاك الأمن في سبيل خدمة الجزائر الأبية.وتابع: “ثم جاءت العشرية السوداء نهاية القرن العشرين، وكانت واحدة من أخطر المحطّات في تاريخ الجزائر المستقلة، واستهدف الإرهاب الأعمى أثناءها المواطنين والقرى والمدن ومؤسّسات الدولة، وحاول ضرب وحدة البلاد وإسقاط مؤسّساتها. وفي تلك المواجهة وقف الجيش الوطني الشعبي كالجبل الأشم إلى جانب مختلف أسلاك الأمن في معركة طويلة وقاسية ضدّ الجماعات الإرهابية الإجرامية، دفاعا عن الدولة الوطنية والمجتمع واستعادة الأمن والاستقرار والإزدهار. وبعد سنوات الإرهاب لم يتوقّف مسار بناء المؤسّسة العسكرية الجزائرية، حيث انتقلت تدريجيا إلى مرحلة أوسع من العصرنة والتحديث، وأصبح التكوين العسكري منظومة متكاملة تشمل الأكاديميات والكليات والمدارس المتخصّصة، والتدريب داخل الجزائر وخارجها، والمناورات الدورية، والتمارين بالذخيرة الحية، والتدريبات المشتركة مع جيوش أجنبية حتى تبوّأ السليل مراتب جدّ متقدمة في تصنيف جيوش العالم. فالجيش الحديث لا يقاس بعدد الجنود فقط، وإنّما بمستوى التكوين، والانضباط، والجاهزية، والقدرة على التحكّم في التكنولوجيا ومنظومات الأسلحة الحديثة، ولهذا أصبحت المناورات والتمارين السنوية جزءا من التحضير القتالي المستمر للسليل، لا استعراضا عسكريا عابرا”.
جاهزية عالية لحروب الجيل الجديد
أفاد علي روينة أنّ الجيش الوطني الشعبي، يواجه بالتنسيق مع مختلف أسلاك الأمن تحديات تتجاوز الحرب التقليدية في ظلّ شساعة الحدود الوطنية، مثل تنامي ظاهرة التهريب، ومحاولات تسلّل الجماعات الإرهابية، والهجرة غير الشرعية، وتهريب الأسلحة والمخدّرات والمؤثرات العقلية، والشبكات الدولية الإجرامية العابرة للحدود، في معركة يومية صامتة لحماية الأمن الوطني.
ولا يتوقّف حضور الجيش عند الحدود الفيسحة، بحسب روينة؛ لأنه عندما تُحاصر الثلوج القرى في الشتاء، أو تقطع السيول الخريفية طريقا، أو تضرب الحرائق الصيفية منطقة، أو تحتاج مداشر ومشاتي معزولة إلى المؤونة، يتحوّل السليل إلى قوة إسناد ميدانية فعّالة، يضع فيها كل إمكاناته تحت تصرّف المواطنين.
أمّا في المجال الصّناعي، فقد اتّجه الجيش الوطني الشعبي إلى توطين جزء مهم من الصناعات والاحتياجات العسكرية من الأسلحة الخفيفة وقطع غيار العربات والمركبات والطائرات والمروحيات والتجهيزات المختلفة داخل الوطن، مع تطوير شراكات مع مؤسّسات وطنية ودولية. وهذه ليست مسألة اقتصادية فحسب، بل هي مسألة سيادة؛ لأنّ الدولة التي تستطيع إنتاج جزء من احتياجاتها الدفاعية تقلّل تبعيتها للخارج، وتتحكّم أكثر في قرارها الاستراتيجي، يذكر الخبير ذاته.
واسترسل: “قصة الجيش الوطني الشعبي ليست قصة ثكنات وسلاح فقط، إنها قصة انتقال من الثورة إلى الدولة، ومن الدفاع إلى الردع، ومن الاستيراد إلى توطين الصناعات العسكرية، ومن مواجهة الإرهاب إلى بناء الجاهزية الحديثة. لقد تغيّر السلاح وتطورت التكنولوجيا وتبدّلت طبيعة التهديدات، لكن المهمة الأساسية لم تتغيّر، وهي حماية الجزائر، والدفاع عن استقلالها، وحماية حدودها، وصون شعبها، وحفظ قرارها السيادي”.الجيش الوطني الشعبي هو حصن الجزائر الوفي، وإحدى مؤسّساتها السيادية الكبرى، وامتداد تاريخي لجيش التحرير الوطني. ولذلك، فإنّ قوة الجزائر لا تقاس بما تملكه من عتاد فحسب، وإنّما أيضا بما تملكه من جيش سليل متكون، منضبط، جاهز، يعرف أن مهمته الأولى والأخيرة هي الذود عن حياض الوطن، يقول روينة.
السّليل.. ذاكرة ثورة ويقظة دولة
أكّد الخبير المتخصّص في علم الاجتماع السياسي، الدكتور عبد الله رقيق، أنّ ذكرى أول نوفمبر المجيدة، محطة خالدة في الذاكرة الوطنية، تستعيد فيها الأجيال صور الماضي وأمجاده، وموعد متجدّد للتأمّل في مسار أمّة عظيمة اختارت الحريّة طريقا، والسيادة كمبدأ راسخ.
وفي حديثه مع “الشعب”، أوضح الدكتور عبد الله رقيق، أنّ شمس الفاتح من نوفمبر 1954، عندما أشرقت، لم يكن الحدث مجرّد انطلاقة للكفاح المسلّح ضدّ الاستعمار الفرنسي البغيض، بل كان إعلانا تاريخيا عن ولادة الجزائر الحرّة، والانتقال بها من منطق المقاومة والتصدي إلى صناعة التاريخ الحديث، وبناء الدولة الوطنية المستقلة ذات السيادة والقرار الكاملين.ومن منظور علم الاجتماع السياسي، شرح رقيق، أنّ التجربة الجزائرية تكشف عن حقيقة استراتيجية، مفادها أنّ قوة المؤسّسات الوطنية لا تُقاس بقدراتها التنظيمية والمادية المباشرة فحسب، بل تمتدّ لتتّصل بمدى عمق ارتباطها بالذاكرة الشعبية، وقدرتها على تجسيد القيم المشتركة، وتعزيز الشعور بالانتماء إلى جماعة وطنية موحّدة.
رسالة الخلود.. تواصل
وشكّل اندلاع ثورة نوفمبر النّواة الصلبة لهذا الشعور الوطني الجامع، حيث التقت مختلف فئات المجتمع الجزائري حول هدف الاستقلال واستعادة السيادة الوطنية. ولم تكن قوة الثورة كامنة في إمكاناتها المادية المحدودة آنذاك، بل في قدرتها على تحويل الإيمان بالوطن إلى فعل جارف ومنظّم وتعبئة شاملة ضدّ الاستعمار. ومن هنا، فإنّ استحضار أول نوفمبر يتطلّب استيعاب المعاني العميقة التي صنعت تلك الملحمة التاريخية الفريدة؛ من وحدة الصّف إلى تحمّل المسؤوليات، وتغليب المصلحة الوطنية العليا على كل الخلافات، بحسب قوله.
أفصح الدكتور رقيق، أنّ العلاقة العضوية والتاريخية بين جيش التحرير الوطني والجيش الوطني الشعبي، تُعدّ المحور الأساسي لفهم تطور المؤسّسة العسكرية الجزائرية وعقيدتها الدفاعية، وإذا كان الأول قد خاض ملحمة الاستقلال واسترجاع السيادة الوطنية في ظروف بالغة الصعوبة، فإنّ الثاني يضطلع اليوم بمهام صون هذه السيادة، وحماية الوحدة الترابية، والتصدّي للتهديدات المستجدة بكل كفاءة واقتدار.
وهذا الامتداد التاريخي، مثلما أضاف محدثنا، لا يُختزل في مجرّد دورة تنظيمية ومؤسّساتية، بل يُجسِّد استمرارية حيّة لروح التضحية والوفاء لعهد الشهداء، مع تكيّف علمي وعملياتي عميق يفرضه العصر الحديث، الذي تتداخل فيه التحديات التقليدية مع التهديدات الهجينة مثل الجرائم السيبرانية والدعائية التضليلية والتهريب العابر للحدود، وتتزايد في خضمها أهمية التكنولوجيا المتقدمة والجاهزية الاستباقية.
جاهزية ميدانية وقدرات ردع عالية
كشف الخبير عبد الله رقيق، أنّ قوة الجيش الوطني الشعبي وسرّ احترافيته تتجلّى اليوم في بلوغه مستويات قياسية من الجاهزية القتالية، والتخطيط الاستراتيجي بالغ العمق. حيث شهدت سنة 2026 محطات ميدانية بارزة، عكستها المناورات والتمارين التكتيكية بالذخيرة الحية التي نفّذتها مختلف القوات (البرية، الجوية، البحرية، وقوات الدفاع الجوي عن الإقليم).
وقد أثبتت هذه التمارين الميدانية، وفقا لرقيق، قدرة عالية في تنسيق الوحدات، والقتال المتكامل والشبكي، وتنفيذ أعلى درجات التناغم والانسجام بين مختلف الأسلحة والقوات باستخدام أحدث أنظمة القيادة والسيطرة والاتصالات الرقمية، والتكامل التقني ضمن إدماج التكنولوجيا الحديثة، والاستخدام الفعّال للأنظمة التسليحية المتطورة، والطائرات بدون طيار (الدرونز) في عمليات الاستطلاع والتحليل والتوجيه العملياتي الآني. مع بروز احترافية الاحتواء الميداني، وسرعة التدخّل، وسدّ الثغرات، والتعامل الحاسم مع مختلف السيناريوهات المعقّدة باقتدار، بما يؤكّد المتابعة الحثيثة للقيادة العليا لمحاور التكوين والتدريب من أجل مواكبة أحدث المعايير القتالية للجيوش العصرية.وفي عالم أصبحت فيه المعرفة والتكنولوجيا من محدّدات القوة، تظهر أهمية الاستثمار العالي في المورد البشري داخل المؤسّسة العسكرية الجزائرية. وتُمثِّل مدارس أشبال الأمة والمدارس العليا الحربية، رافدا استراتيجيا لإعداد كفاءات وطنية واعدة، تجمع بين التحصيل العلمي العالي والتكوين العسكري الصارم. ويترافق هذا التطور مع توسيع آفاق الصناعة والصحة العسكريّين، كبعدين حيويّين يساهمان في ترقية الخدمة، وتطوير الخبرات الوطنية، وتعزيز الاكتفاء الذاتي، بما يدعم الاستقلالية الوطنية وتكامل مؤسّسات الجمهورية.
ولا تقتصر القيمة المضافة لهذه المكاسب الميدانية على الجانب التدريبي والتكويني المحض، بل تمتد لتوجّه رسالة ردع واضحة وصارمة للأعداء في الداخل والخارج، تفيد أنّ أمن الجزائر ووحدتها وسيادتها خط أحمر لا يمكن المساس به، يذكر المصدر نفسه.
الشعب وجيشه.. تلاحم..
يرى الدكتور عبد الله رقيق، أنّ حدود الرّسالة النبيلة للجيش الوطني الشعبي لا تقف عند حماية الثغور والدفاع عن السيادة الوطنية فحسب، بل تتعداها لتتجلّى في أبهى صور “التلاحم العضوي بين الشعب وجيشه” خلال الأزمات والكوارث الطبيعية، حيث تبرز المؤسّسة العسكرية كعنصر حاسم في منظومة إدارة المخاطر الوطنية.
ويتجسّد هذا التلاحم بوضوح، في التدخّلات الفعّالة والسريعة لمختلف القوات والنواحي العسكرية، في مواجهة حرائق الغابات الصيفية وتسخير أسراب من الطائرات البرمائية لإطفاء النيران، وتوفير الوسائل اللوجستية المتطورة لإخلاء المواطنين المحاصرين في المناطق المتضرّرة، وفكّ العزلة أثناء موجات الثلوج والتقلّبات الجوية الشتوية. كما يقوم الجيش الوطني الشعبي بفتح الطرقات بآلياته، وتقديم المساعدات الغذائية والطبية العاجلة لسكان القرى والمناطق الجبلية والحدودية النائية أثناء حدوث كوارث طبيعية.
واستنادا إلى الخبير، تُكرِّس هذه الجهود التضامنية مفهوم “الأمن القومي الشامل”، الذي يضع حماية المواطن وصون الأرواح والممتلكات في صلب أولويات الدولة، بالتنسيق الوثيق بين مختلف مؤسّساتها.
الجزائر، وهي تستلهم معاني أوّل نوفمبر المجيد، تدرك جيّدا أنّ الأوطان تُصان بالوعي واليقظة وتلاحم مؤسّسات الدولة خاصة أثناء المحن والأزمات، ويبقى الجيش الوطني الشعبي الدرع الحصين والوفي الأول لبلد الشهداء في كل الأحوال والظروف، يختم الدكتور عبد الله رقيق.



