الإنتــاج الوطنــي.. الاكتفــــاء الذاتــي والأمـــن الغذائـــي حصانــة الأمـــة
برامج استراتيجية..تثمــين الـــــثروات الوطنيـــــة وتوسيـع القاعــدة الإنتاجيـــة
تستحضر الجزائر، وهي تحيي الذكرى الثانية والسبعين لاندلاع الثورة التحريرية المجيدة في أول نوفمبر المجيد، مسيرة البناء وتعزيز مقومات السيادة الوطنية، في مرحلة تتجه فيها الجهود نحو ترسيخ الاستقلال الاقتصادي، من خلال إصلاحات هيكلية ومشاريع استراتيجية تستهدف تنويع الاقتصاد، وتثمين الثروات الوطنية، وتوسيع القاعدة الإنتاجية، بما يسمح بتعزيز مكانة البلاد على المستويين الإفريقي والدولي.
بعد 132 سنة من الاستعمار الفرنسي، خاضت الجزائر، عقب استرجاع استقلالها، مسيرة بناء وتشييد شملت مؤسسات الدولة وبناها التحتية ومقوماتها الاقتصادية، وبعد 72 سنة من اندلاع الثورة التحريرية، تتواصل هذه المسيرة برهانات جديدة، عنوانها الانتقال من معركة التحرير إلى معركة البناء الاقتصادي، وتعزيز القدرة على التحكم في الموارد والإمكانات الوطنية، في ظل الرؤية الاقتصادية التي يقودها رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، والرامية إلى جعل الجزائر قوة اقتصادية إقليمية وقارية.
وتبرز معركة البناء الاقتصادي وتعزيز القدرة على التحكم في الموارد والإمكانات الوطنية باعتبارها من أبرز رهانات المرحلة الراهنة، في ظل هدف رفع الناتج الداخلي الخام إلى 400 مليار دولار مع نهاية سنة 2026 أو بداية 2027، وهو الهدف الذي يرتبط بإصلاحات تستند إلى رفع الاستثمار، وتحسين مناخ الأعمال، وتطوير القطاعات المنتجة، وتقليص الاعتماد على المحروقات.
وتعكس المؤشرات الاقتصادية المسجلة خلال السنوات الأخيرة، وفق أحدث الأرقام، نموا متواصلا، حيث بلغ الناتج الداخلي الخام 36.103,5 مليار دينار سنة 2024 (276 مليار دولار أمريكي)، قبل أن يرتفع إلى 37.792,6 مليار دينار سنة 2025 (288,5 مليار دولار)، مع توقع تجاوزه 42.348,6 مليار دينار خلال سنة 2026 (323,3 مليار دولار أمريكي).
كما سجل الاقتصاد الوطني، الذي يعد من بين أكبر الاقتصادات في إفريقيا، نموا بنسبة 3,8 بالمائة سنة 2025، مع توقع تجاوز نسبة 4 بالمائة خلال سنة 2026، في وقت ارتفع فيه إجمالي الاستثمار الثابت إلى 17.803,19 مليار دينار، مقابل 14.837,85 مليار دينار، أي بزيادة تقارب 20 بالمائة، وهو ما يعكس توسع النشاط الاستثماري وتزايد مساهمته في دعم النمو.
وتبرز هذه المؤشرات أيضا تنوعا تدريجيا في بنية الاقتصاد الوطني، إذ تستحوذ الخدمات على 47,8 بالمائة من الناتج الداخلي الخام، والفلاحة على 14,1 بالمائة، والصناعة على 10,1 بالمائة، بما يؤكد أهمية مواصلة دعم القطاعات المنتجة وتعزيز مساهمتها في خلق الثروة ومناصب الشغل.
إصلاحات اقتصادية وتهيئة مناخ الاستثمار
وفي هذا السياق، شكلت مراجعة الإطار القانوني للاستثمار خطوة مهمة في مسار تحسين مناخ الأعمال، من خلال وضع آليات جديدة لمرافقة المستثمرين وتسهيل الإجراءات الإدارية، وتعزيز دور الوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار في استقبال المشاريع ومتابعتها، إلى جانب توسيع فرص الاستثمار في القطاعات ذات القيمة المضافة.
وتندرج هذه الإصلاحات ضمن توجه يرمي إلى الانتقال من اقتصاد يعتمد أساسا على عائدات المحروقات إلى اقتصاد أكثر تنوعا، تكون فيه المؤسسة الوطنية والاستثمارات المنتجة محركا للنمو، بما يسمح برفع القدرات التصديرية وتحسين تنافسية المنتوج الوطني في الأسواق الخارجية.
كما سجلت القروض البنكية الموجهة للاقتصاد نموا بنسبة 8,2 بالمائة، لتبلغ 12.181,7 مليار دينار نهاية سنة 2025، قبل أن تصل إلى 12.795,79 مليار دينار في أوت 2026، وهو تطور يعكس توسع التمويل الموجه للنشاط الاقتصادي، وأهمية مواصلة توجيه الموارد المالية نحو المشاريع المنتجة والاستثمارات ذات الأثر المباشر على الاقتصاد الوطني.
تثمين الثروات وربط مناطق الإنتاج
وتشكل المشاريع المنجمية والسكك الحديدية الكبرى أحد أبرز محاور التحول الاقتصادي، بالنظر إلى ما توفره من إمكانات لتثمين الموارد الطبيعية، وتطوير الصناعات التحويلية، وخلق أقطاب اقتصادية جديدة خارج مناطق النشاط التقليدية.
ويأتي مشروع استغلال منجم الحديد بغارا جبيلات في مقدمة هذه المشاريع، باعتباره من أكبر الاستثمارات المنجمية التي تراهن عليها الجزائر لتطوير صناعة الحديد والصلب، وتقليص الاعتماد على استيراد المواد الأولية، ورفع القدرات الإنتاجية الموجهة للسوق الوطنية والتصدير.
ويرتبط المشروع بإنجاز الخط المنجمي الغربي للسكة الحديدية، الممتد على مسافة تقارب 950 كيلومترا، لربط بشار وتندوف بمنجم غارا جبيلات، بما يسمح بنقل خام الحديد نحو وحدات المعالجة والتحويل. وقد دخل هذا الخط حيز الخدمة في الفاتح من فيفري 2026، في خطوة مهمة لتوفير البنية التحتية اللازمة لاستغلال المنجم وتوسيع النشاط الاقتصادي في الجنوب الغربي.
وفي الشرق، يتقدم مشروع الفوسفات المدمج ببلاد الحدبة، في إطار الرؤية التي رسمها رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، لتثمين الثروات المنجمية وتحويلها إلى منتجات ذات قيمة مضافة، من خلال إنشاء وحدات لتخصيب الفوسفات ومعالجته، وربط المنجم بمركب التحويل الكيميائي بوادي الكبريت، عبر الخط المنجمي الشرقي الرابط بين عنابة وسوق أهراس وتبسة وبلاد الحدبة، على مسافة 422 كيلومترا، إلى جانب إنجاز رصيف منجمي بميناء عنابة لتصدير الفوسفات ومشتقاته.
ويستهدف المشروع الشروع في تصدير أولى الشحنات خلال سنة 2027، تنفيذا لتوجيهات رئيس الجمهورية.
كما يمثل مشروع منجم الزنك والرصاص بتالة حمزة وأميزور بولاية بجاية إضافة أخرى لمسار تنويع الإنتاج المنجمي، بالنظر إلى أهمية هذه المواد في الصناعات التحويلية والقطاعات الصناعية المختلفة.
ويمتد برنامج تطوير شبكة السكك الحديدية إلى جنوبنا الكبير، من خلال مشروع الخط الرابط بين الأغواط وغرداية والمنيعة وعين صالح، وصولا إلى تمنغست، الذي أمر رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، بالإطلاق الفوري لأشطره خلال أكتوبر الماضي، مع التشديد على ضرورة تسليمه كاملا قبل نهاية سنة 2028.
ويهدف المشروع إلى توسيع شبكة النقل بالسكك الحديدية نحو المناطق الجنوبية، وتعزيز ربطها بمناطق الشمال، بما يفتح آفاقا جديدة أمام تنقل الأشخاص ونقل البضائع ودعم النشاط الاقتصادي والاستثماري.
الأمن المائي والطاقة.. دعائم الانتصار
وبالتوازي مع مشاريع النقل والمناجم، تعمل الجزائر على تعزيز الأمن المائي باعتباره شرطا أساسيا لاستدامة النشاط الاقتصادي، لا سيما في القطاعين الصناعي والفلاحي، وذلك من خلال 82 سدا وأكثر من 19 محطة لتحلية مياه البحر، تتجاوز طاقة كل منها 300 ألف متر مكعب يوميا، وتدعم تموين 16 ولاية. كما تراهن السلطات العليا في البلاد على إعادة استعمال المياه المعالجة وتحسين التسيير والتوزيع لضمان الأمن المائي.
وفي هذا الإطار، تتجه الجهود إلى توسيع شبكة نقل المياه المحلاة نحو ولايات داخلية، إلى جانب توفير المياه اللازمة للمشاريع الصناعية الكبرى، وفي مقدمتها المركب المدمج للفوسفات، بما يضمن مرافقة الاستثمار الصناعي بموارد مائية مستدامة.
وفي مجال الطاقة، تبرز مبادرة ممر الهيدروجين الأخضر الجنوبي، الذي يجمع الجزائر وتونس وإيطاليا والنمسا وألمانيا، باعتباره مشروعا استراتيجيا يفتح آفاقا جديدة أمام تصدير الطاقة النظيفة نحو الأسواق الأوروبية.
ويستهدف المشروع نقل نحو أربعة ملايين طن سنويا عبر شبكة أنابيب تمتد على مسافة تقارب 3.000 كيلومتر، بما يعزز موقع الجزائر في التحولات الطاقوية العالمية.
كما يندرج مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء، بين الجزائر والنيجر ونيجيريا، ضمن مساعي توسيع التعاون الطاقوي الإفريقي، وربط موارد القارة بشبكات النقل والتصدير الجزائرية، بما يمنح المشروع بعدا اقتصاديا واستراتيجيا يتجاوز نقل الغاز إلى تعزيز الشراكة والتكامل بين الدول المعنية.
الصناعة والفلاحة.. توسيع قاعدة الإنتاج الوطني
وتتجه السياسة الاقتصادية أيضا إلى تعزيز النسيج الصناعي الوطني، من خلال تطوير الصناعات الميكانيكية وصناعة السيارات وقطع الغيار، والإلكترونيات، والمكونات الصناعية، إلى جانب التوجه نحو مجالات تكنولوجية أكثر تطورا، من بينها أشباه الموصلات.
ويقوم هذا المسار على رفع نسبة الإدماج المحلي، وتطوير المناولة الصناعية، وتشجيع المؤسسات الوطنية على الاندماج في سلاسل الإنتاج، بما يسمح بتقليص فاتورة الاستيراد وخلق فرص عمل جديدة، وتحويل السوق الوطنية إلى فضاء محفز للإنتاج والاستثمار.
وفي هذا الإطار، أكد رئيس الجمهورية أن المشاريع المرتبطة بصناعة السيارات والمناجم وإدماج الحديد في الصناعة الوطنية، إلى جانب إدماج الشرائح الإلكترونية في صناعة التجهيزات الكهربائية والكهرو-منزلية المحلية، من شأنها توفير دخل سنوي قار من العملة الصعبة لا يقل عن 50 مليار دولار، بما يعكس الرهان على الانتقال من تصدير المواد الأولية إلى إنتاج سلع وخدمات ذات قيمة مضافة.
وتحظى الفلاحة بدورها بمكانة أساسية في هذا المسار، بالنظر إلى ارتباطها المباشر بالأمن الغذائي وتقليص الواردات، حيث تتجه الجهود إلى توسيع المساحات المزروعة، وتحسين الإنتاجية، وتطوير أنظمة الري، وتشجيع الاستثمار في الصناعات الغذائية والتحويلية، بما يسمح بربط الإنتاج الفلاحي بالتصنيع والتسويق والتصدير.
الاستقلالية الاقتصادية.. السيادة وقوة القرار
وتندرج هذه المشاريع والإصلاحات ضمن مسعى لبناء استقلالية اقتصادية حقيقية، تقوم على قدرة الجزائر على تثمين مواردها الطبيعية، والتحكم في سلاسل إنتاجها، وتطوير صناعاتها، وتأمين احتياجاتها الأساسية، وتوسيع صادراتها خارج قطاع المحروقات.
فالاستقلال الاقتصادي لا يقتصر على امتلاك الثروات، وإنما يرتبط بمدى القدرة على تحويلها إلى إنتاج ومداخيل وفرص عمل، وبناء قاعدة صناعية وفلاحية قادرة على تلبية الطلب الوطني والمساهمة في الأسواق الخارجية، بما يسمح ببناء اقتصاد قادر على مواجهة الضغوط التي قد تفرضها المؤسسات المالية الدولية، وتفادي الارتهان للخارج من خلال الابتعاد عن المديونية.
وفي هذا السياق، تعزز الجزائر توجهها نحو تكريس السيادة الاقتصادية واستقلالية القرار الوطني، من خلال اعتماد سياسة تقوم على الحد من اللجوء إلى الاستدانة الخارجية، وتعبئة الموارد الوطنية لتمويل المشاريع التنموية والاستثمارات الاستراتيجية.
وتبرز الرؤية التي يقودها رئيس الجمهورية باعتبارها امتدادا لمسار تعزيز سيادة الجزائر، من خلال الانتقال إلى اقتصاد منتج، قادر على تمويل تنميته بموارده وإمكاناته، وعلى توفير شروط الاستقرار والنمو على المدى الطويل.
وبين رمزية أول نوفمبر 1954 وتحديات المرحلة الراهنة، تواصل بلادنا معركة البناء الاقتصادي، مستندة إلى مشاريع هيكلية وإصلاحات تستهدف توسيع قاعدة الإنتاج وتثمين الثروات الوطنية وترسيخ استقلالية القرار الاقتصادي، وتعزيز مكانة الجزائر كقوة إنتاجية وشريك اقتصادي فاعل في إفريقيا.




