يعد الكاتب المغترب جهيد قيدار صوتا روائيا مختلفا يحمل في طياته حكاية جيل بأكمله. علما أنه فرنسي المولد والنشأة، جزائري الانتماء والذاكرة، التقته “الشعب” خلال توقيع روايته “اذهب، عش، وليعد توق روحك” التي صدرت في حلة أنيقة وجذابة، عن منشورات دار داليمين.
قدّم الروائي جهيد قيدار إبداعا أدبيا تجاوز حدود السرد التقليدي ليصبح رحلة في أعماق الجذور والتوارث ونور اللقاءات المتجدّدة. وينطلق قيدار في روايته من عام 1921، تلك السنة التي شهدت ميلاد والده، ليعيد بناء ذاكرة عائلة من قرية صغيرة كائنة في الميلية، حيث يلتقي الجد “جعفر” والجدة “دهبية” في حكاية تعيد نسج خيوط التاريخ العائلي الممتد بين ضفتي المتوسط. إنها ليست مجرد قصة شخص واحد، وإنما تتناول الرواية حكاية المنفى المشترك الذي تعيشه كل عائلة جزائرية تقريبا، وذلك المنفى الذي تحوّل في نص قيدار الروائي من جرح إلى جسر، ومن قطيعة إلى امتداد.
ولعلّ ما يميز هذا النص الروائي هو إصرار مؤلفه على أن يرى النور أولا في الجزائر، موطن القصة ومصدر الحكاية. فقد رفض قيدار إغراءات دور النشر الفرنسية والبلجيكية، مفضلا أن يحمل كتابه بصمة الأرض التي ولدت أحداثه. وفي اختياره لمنشورات داليمين، إحدى أعرق دور النشر الجزائرية وأكثرها دقة، رسالة واضحة، تتمثل في أن هذه الرواية أمانة تاريخية يجب أن تحفظ في مكانها الطبيعي.
ووصف قيدار القارئ الجزائري بأنه فضولي ودقيق، يطرح أسئلة من كل الاتجاهات بذكاء يستحق الإعجاب. وهذا الوصف ليس مجرد مجاملة، بل يعكس طبيعة العلاقة التي يسعى الكاتب لإقامتها مع جمهوره، بمعنى علاقة حوارية ندية، حيث لا يقدَم النص كحقيقة مسلَّمة، بل كدعوة للتفكير والمشاركة. وفي كل سؤال يطرحه القارئ الجزائري، يجد قيدار نفسه أمام مرآة تعكس عمق الانتماء وحيوية الذاكرة.
إن رواية “اذهب، عش، وليعد توق روحك”، تأمل في معنى الانتماء في زمن العولمة، حيث تتشابك الهويات وتتداخل المسارات. ومن خلال حكاية جده وجدته، وعبر رحلة والده بين الميلاد والرحيل، رسم قيدار لوحة تستدعي التوقف والتمعن عن تاريخ الجزائر.
ويقف جهيد قيدار أمام القرّاء الجزائريين خاصة الشباب الذين توافدوا على المعرض، مندهشا وممتنا في آن واحد. لأنه في قرارة نفسه لم يأت فقط ليقدم نصا روائيا، بل جاء ليعيد وصل ما انقطع، وليؤكد أن الجذور مهما طال بها المدى، تبقى حية تنبض في أعماق الذاكرة.




