قدّم المشاركون في الندوة الشهرية الثامنة التي نظمتها المحكمة الدستورية، أمس، بعنوان «الأمير عبد القادر، مؤسس الدولة الجزائرية الحديثة»، قراءة تاريخية ومؤسساتية معمقة، أبرزت أن مشروع الأمير عبد القادر، يمثل تجربة وطنية متكاملة جمعت بين مقاومة الاحتلال وتأسيس الدولة وتنظيم المجتمع في ظل تحديات وجودية غير مسبوقة.
أبرز المتدخلون في الندوة أن الدولة التي أسسها الأمير عبد القادر، بعد أن هدم الاحتلال الفرنسي أسس الدولة القائمة قبل الاحتلال، تجلّت سيادتها في المراسلات والمفاوضات والقرارات السيادية، وفق رؤية سياسية وحضارية جعلت من الوطن فضاء للانتماء، ومن السلطة مسؤولية، ومن القانون أداة لحماية الجماعة، بما يجعل من هذه التجربة التأسيسية مرجعا متجددا لفهم الحاضر واستشراف المستقبل.
وفي هذا السياق، قال الباحث الأكاديمي البروفيسور بوغفالة ودان، أن تجربة الأمير عبد القادر في تأسيس الدولة كانت متميزة ومبكرة في بناء الدولة الوطنية، ليس في الجزائر فحسب، بل في العالم العربي والإسلامي أيضًا، ذلك أن أنظمة الحكم في العالم العربي والإسلامي خلال القرن التاسع عشر، كانت قائمة في معظمها، إما على التوارث أو على القوة. وفي خضم هذه الأوضاع، برزت تجربة الأمير عبد القادر بوصفها تجربة استثنائية؛ إذ عمل على تأسيس دولة وطنية وفق أسس جديدة، قوامها توسيع المشاركة الشعبية وتنظيم مؤسسات الحكم، بالتوازي مع قيادته للمقاومة ضد الاحتلال الفرنسي.
ولم يقتصر دور الأمير عبد القادر على قيادة المقاومة العسكرية، يقول البروفيسور ودان، بل أدرك أيضًا أن مواجهة الاحتلال لا يمكن أن تستند إلى العمل المسلح وحده، وإنما تتطلب قيام دولة منظمة، تمتلك مؤسساتها وأسسها القانونية والسياسية، وتستمد قوتها من تماسك المجتمع ومشاركة أفراده.
وأشار المتحدث أن وثيقة المبايعة، تتضمن مضامين ذات طابع دستوري وقانوني، من خلال تناولها طبيعة نظام الحكم وأسس العلاقة بين الحاكم والمبايعين. وهو ما يعكس توجهًا نحو تنظيم السلطة وإخضاعها لضوابط متفق عليها، بدلًا من الاكتفاء بشرعية الوراثة أو القوة.
من جانبه، تناول الأستاذ تاج محمد، أهم الكتابات الغربية التي أبرزت خصال ومميزات شخصية الأمير عبد القادر، حيث أجمعت الكتابات الألمانية التي أوردها المحاضر على أنه شخصية عالمية، عادل وحكيم، متسامح ومحاور ديني.
بينما اعتبره الكتاب الفرنسيون أعظم وأشرف أعداء فرنسا في زمن الحرب، والصديق المحترم ومحل إعجاب النخبة عند أسره وفي منفاه، ورمز التسامح وحوار الأديان.
أما الكتابات الأمريكية فأشادت بالأخلاق الإنسانية الفائقة للأمير خاصة عندما وفر الحماية لمسيحيي دمشق عام 1860، واعتبرته رمزا للمقاومة والحرية والتسامح الديني، كما أشار إلى أن مدينة أمريكية تحمل اسمه «الكادر» عرفانا لسمو وعظمة هذه الشخصية.

