الرهانـــات المناخيـة قضيـــة اقتصاديــة وماليــــة تشمل جميع القطاعــات
توجيه الأدوات المالية نحو الأولويات المناخية وضمان استدامة المالية العامة
أكّد وزير المالية محمد الأمين لبو، أنّ التمويل المناخي أصبح جزءا لا يتجزأ من المالية العامة، مشدّدا على ضرورة ربطه بمختلف أدوات الدولة، من الميزانية والجباية والصفقات العمومية، إلى المنظومة المصرفية وسوق رؤوس الأموال وتمويل الاستثمار.
قال وزير المالية، خلال مشاركته في ورشة حول “تمويل المناخ وأسواق الكربون”، إنّ “الرهانات المناخية لم تعد تقتصر على الجانب البيئي، بل أصبحت قضية اقتصادية ومالية تشمل مختلف القطاعات والمؤسّسات، مشيرا إلى أنّ المسؤولية المطروحة تتمثل في توجيه الأدوات المالية نحو الأولويات المناخية الوطنية، مع الحفاظ على استدامة المالية العامة وتنافسية المؤسّسات والموارد الطبيعية”.
وشدّد لبو على أنّ عصرنة تسيير المالية العامة، من خلال اعتماد البرمجة حسب الأهداف، ستحدّد بشكل أفضل النفقات الموجّهة للتكيّف مع التغيّرات المناخية والتخفيف من آثارها، داعيا إلى إعداد تصنيف وطني للمشاريع، لأنّ تعبئة التمويلات العمومية والخاصة والدولية تتطلّب مشاريع ناضجة من الناحية التقنية، ومبرّرة اقتصاديا، وقابلة للقياس من حيث النتائج.
وفي سياق متّصل، أبرز وزير المالية أهمية الجباية البيئية على اعتبار أنها أحد المحاور الأساسية للعمل المناخي، موضحا أنّ المنظومة الجبائية الجزائرية، التي تعزّزت منذ قانون المالية لسنة 2018، تقوم على معادلة متوازنة تجمع بين حماية البيئة وتحقيق التنمية المستدامة.
وأشار إلى أنّ هذه المنظومة تستند إلى مبدأ “الملوث الدافع”، من خلال تحميل المتسبّبين في التلوث التكاليف المالية المترتّبة عن الأضرار البيئية، وذلك عبر اقتطاعات ورسوم تستهدف الأنشطة الملوثة والنفايات والانبعاثات الصناعية واستغلال الموارد الطبيعية.
بالمقابل -يضيف الوزير- تعمل الدولة على توفير حوافز جبائية وجمركية لتشجيع الاستثمار الأخضر، وتحفيز المؤسّسات على اعتماد ممارسات صديقة للبيئة، خاصة في مجالات التكنولوجيات النظيفة والطاقات المتجدّدة وإعادة التدوير.
وأكّد لبو أنّ الرهان لا يكمن في مضاعفة الاقتطاعات والرسوم، وإنما في تقييم فعالية الأدوات القائمة ومدى انسجامها وقدرتها على مواكبة التطورات، مع مراعاة آثارها الاقتصادية والمالية والاجتماعية وانعكاساتها على تكاليف الإنتاج وتنافسية المؤسّسات الوطنية.
وبخصوص أسواق الكربون، أوضح وزير المالية أنها قادرة على إحداث قيمة اقتصادية من خلال خفض الانبعاثات ودعم جدوى الاستثمارات منخفضة الكربون، غير أنّ فعاليتها، بحسبه، تبقى مرتبطة بوجود قواعد واضحة وبيانات موثوقة وآليات عمل متينة.
وفي هذا الإطار، شدّد الوزير على أن دراسة تسعير الكربون وتفعيل آليات التعاون المنصوص عليها في اتفاقية باريس يجب أن تستند إلى تقييم دقيق للمنافع المنتظرة وتكاليف التنفيذ، فضلا عن دراسة انعكاساتها المحتملة على المؤسّسات والأسر والمالية العامة، مع مراعاة خصوصيات الاقتصاد الوطني وأولويات التنمية.
كما لفت إلى تزايد أهمية هذه المساعي أمام اتّساع متطلّبات قياس البصمة الكربونية للمنتجات في المبادلات الدولية، وفي مقدّمتها آلية تعديل حدود الكربون التابعة للاتحاد الأوروبي، مؤكّدا أن قدرة المؤسّسات الجزائرية على قياس انبعاثاتها واستباق هذه التطورات أصبحت رهانا تنافسيا حاسما.
ودعا وزير المالية إلى الاستعداد لهذه المرحلة من خلال إشراك جميع الأطراف المعنية، والعمل، بشكل تدريجي، على بناء منظومة وطنية شاملة ومتكاملة للتمويل المناخي، تقوم على فهم أدق للاحتياجات المستقبلية، وترتيب الاستثمارات وفقا للأولويات الوطنية، وتقريب الرؤى بين الأهداف المناخية والخيارات المالية، مؤكّدا أنّ وزارة المالية ستواصل تقديم إسهاماتها في هذا المسار عبر الأدوات المتاحة، إلى جانب دراسة مختلف الآليات المالية الكفيلة بتكملة الموارد العمومية ودعمها.




