يعلم الجميع أنّ المعرض الدولي للكتاب هو أهم تظاهرة ثقافية (وغير ثقافية) في بلدنا، بل وفي كثير من البلدان التي تعج بالتظاهرات الثقافية؛ وهو ما يجعل منه كعبة يحجّ إليها المثقّفون من كل حدب وصوب، تختلف طموحاتهم وأغراضهم من زيارته وارتياد أروقته وأجنحته.
ولا أختلف عن هؤلاء في شيء، فداخلي نفسٌ ظامئة لكل جديد في عالم النشر، وعليه أحاول كلما أزور المعرض أن أقف على أكبر قدر من تلك العناوين التي زينت رفوف المكتبة العربية والعالمية، سواء في الجانب الإبداعي (شعر، رواية، قصة…)؛ أو الجانب النقدي (بحوث، دراسات، معاجم متخصّصة…) أو غيرها من الحقول والمجالات.. واقتنائي للقليل من الكتب لا يمنعني من الاستفاضة في اكتشاف أكبر قدر منها، على أمل اقتنائه لاحقا، أو توجيه من يطلبه إذا كان جاهلا به.
والملاحظ هذه السنة هو أنّ التنظيم العام للمعرض قد نحا منحى جديدا بافتتاح جناح جديد ضخم، أطلق عليه “جناح فلسطين”، وهي تسمية يتّفق عليها كل الجزائريين لا يغادرهم أحد، والجناح تحفة معمارية من جهة، ولقد جهّز بكلّ ما يسمح بإقامة تظاهرة مرموقة بحجم معرض دولي للكتاب، فالأروقة – في هذا الجناح – أكثر اتساعا، ما يخفّف من وطأة الزحام المعاش في نسخ سابقة، وهو معين على التجوّل المريح واكتشاف أكبر قدر من دور النشر، ما يساعد على التنقل بأريحية. ويسجل أيضا جودة الإضاءة الأكثر سطوعا مقارنة بما كان سابقا، وهو ما يجعل عملية عرض الكتب واكتشافها أكثر وضوحا، والوصول إليها في أقل وقت ممكن.
لقد لاحظت بنفسي، ولاحظ بعد الأصدقاء، انخفاضا نسبيا للأسعار مقارنة بالطبعات السابقة، غير أن الأسعار تحتاج إلى مراجعة أخرى حتى يكون الكتاب في متناول القارئ النهم الذي لا يكتفي بعنوان أو عنوانين على أكثر تقدير، بل يجعل من زيارته للمعرض فرصة لاقتناء “عولة” سنة كاملة وهو ما لا يقل عن عشرين أو ثلاثين كتابا، وهو القدر الذي يستهلكه سنويا قارئ منتظم في القراءة.
ولأنّني أنتمي إلى عالم النشر بصفتي مصمم كتب ومنسّقا لها، فهذا يعني أنّني عارف بكواليس هذا الحقل الحساس من حقول الثقافة، فلقد طرأت تغييرات على هذا العالم المليء بالتحدّيات، كغلاء الورق، وارتفاع أتعاب الطباعة والتصميم والتنسيق والتدقيق اللغوي وغياب الدعم في كثير من الحالات.. كل ذلك يقف حجرة عثرة في عملية “دمقرطة توزيع الكتب” ونشره على أصعدة واسعة.
إلا أنّ هذا التحدّي موجود، وهو مشروع طامح لدى الجهات الوصيّة، ولدى كثير من دور النشر التي تملك رؤية ثقافية ومشروعا تربويا يسير جنبا إلى جنب مع الطموح المادي المشروع، ومهما كانت نسبة المنجز من هذا الشروع سوف لن يثنينا من مساندته ومؤازرته من الداخل كتقنيين في عالم النشر ومن الخارج كقراء وكتّاب يسهمون في البحث الحضاري من خلال إنتاج الكتاب واستهلاكه
نقول في الأخير، إذا كانت لنا تطلّعات متقدّمة – على مستوييْ الرؤية والنجز – لما هو ممكن مقارنة بما هو كائن؛ يجب ألا تثنينا على تثمين الجهود الجبارة في صناعة مشهد ثقافي دولي، يسعى إلى الحفاظ على المكتسبات وتقديم إضافات قيّمة تنهض بصناعة الكتاب وتوزيعه، وتيسير سبل وصوله إلى القارئ عبر أقصر السبل وأيسرها.





