صرامــــة الأكاديمـــي وشغــــف المبـدع لإنقــــاذ خيــال الأجيـــال الرّقميــة
نصــوص تواكــــب المستقبـــل وتصــون الذّاكـرة.. حاجـة الطّفــل
ثـــورة في المضامــين الأدبيــة وتجــاوز للقوالـــب التعليميـــة المباشرة
كشف الباحث والأكاديمي الجزائري المتخصص في أدب الأطفال والناشئة، الدكتور العيد جلولي، عن شروعه في الإفراج عن رصيده الإبداعي، والتوجه نحو نشر نصوصه القصصية والمسرحية الموجهة للفتيان والأطفال، بعد عقود من التأطير والتحليل النقدي، مؤكدا أن هذه المبادرة تأتي استجابة للحاجة الملحة إلى تجديد الخطاب الأدبي الموجه إلى الأجيال الجديدة، ورفد المكتبة العربية بنصوص تواكب الراهن.
وأوضح الدكتور جلولي أن علاقته بهذا الحقل المعرفي شكلت مسارا مستمرا من التأمل والمساءلة العلمية، توخى من خلاله تفكيك البنية الفنية والتربوية لهذا الجنس الأدبي والاقتراب من عالم الطفولة بوصفه فضاء إنسانيا وثقافيا متميزا يحمل استحقاقات جمالية ومعرفية وازنة.
واستعرض المتحدث ملامح تتبعه لمسار نشأة أدب الأطفال وتطوره في الآداب الإنسانية وتجارب الرواد الأوائل، مبرزا أن اطلاعه على النماذج العالمية في الشرق والغرب أظهر بوضوح كيف تحولت الكتابة للأطفال إلى مشاريع ثقافية وحضارية متكاملة تواكب التحولات الاجتماعية وتتفاعل مع اهتمامات الناشئة، وتتجاوز إعادة إنتاج القوالب الكلاسيكية المألوفة.
وأشار الأكاديمي الجزائري إلى أن دراساته المستفيضة جعلته يقف على حجم التباين القائم بين ما ينتج محليا وعربيا وبين الإبداعات العالمية المتقدمة، سواء على صعيد تنوع المقاربات أو جرأة المعالجة وتجديد الصيغ السردية. وسجل جلولي أن طفل العصر الراهن وناشئته يعيشان ضمن فضاءات مفتوحة وتدفق معرفي ورقمي هائل، مما يستدعي تجاوز النصوص المبسطة ذات النزعة التعليمية المباشرة نحو تأسيس عوالم تخييلية فسيحة وقادرة على مخاطبة الفكر والوجدان معا.
وانطلاقا من هذه المعاينة، اعتبر جلولي أن الانتقال من مقعد الناقد الراصد إلى فضاء الإبداع جاء تلبية لضرورة عملية تهدف إلى سد الفراغ المسجل في رفوف المكتبات العربية، مبينا أنه اشتغل في نصوصه المنجزة على موضوعات حيوية تستحضر قضايا البيئة والتلوث، وعلاقة الإنسان بالمحيط الطبيعي، فضلا عن أدب الخيال العلمي، وعوالم الذكاء الاصطناعي، والواقع الافتراضي “الميتافيرس”، إلى جانب قضايا الذاكرة التاريخية والهوية الوطنية، مع مراعاة الخصوصيات الجمالية والإدراكية لكل فئة عمرية.
وفسّر الدكتور جلولي أسباب تأجيل نشر هذه الأعمال السردية والمسرحية لسنوات، بارتباطها بالحرص على الفصل بين موقعه كناقد وباحث جامعي وبين صفته كمبدع، قبل أن يصل إلى قناعة تكامل الرؤيتين، حيث تسهم الممارسة الإبداعية في تعميق فهم آليات الكتابة، في حين يمد النقد كاتبه بالوعي الصارم بالأجناس الأدبية وضوابطها الفنية.
ودعا الدكتور جلولي دور النشر والمؤسسات الثقافية إلى تبني رؤية احترافية في التعامل مع منجزات أدب الطفل، تنظر إلى الكتاب بوصفه استثمارا في الرأسمال المعرفي والوعي الجمالي، وتولي عناية فائقة بالإخراج الفني، والتصميم، وتناسق الألوان، وجودة الطباعة، والتوزيع الفعال، لضمان وصول هذه الأعمال المبتكرة إلى القراء الصغار والمساهمة في بناء أجيال واعية وقادرة على استشراف المستقبل.
للإشارة، فإنّ الدكتور العيد جلولي باحث وأكاديمي وناقد جزائري، يعدّ من أبرز المراجع النقدية المتخصصة في أدب الأطفال والناشئة والدراسات السردية في الجزائر والعالم العربي، يشغل منصب أستاذ التعليم العالي بجامعة ورقلة، وتتميز مسيرته بمشروع فكري رصين يجمع بين التأسيس النظري والتفكيك الجمالي لنصوص الطفولة وربطها بالتحولات الرقمية والمعاصرة، إلى جانب مؤلفاته وأبحاثه المحكمة في قضايا السرد واللغة وتاريخ الأدب، ليجمع في مرحلة متقدمة من تجربته بين صرامة الناقد الأكاديمي وشغف المبدع في كتابة نصوص قصصية ومسرحية موجهة للأجيال الصاعدة.





