رابيـة: استحضـــار تجارب الرواد خطوة حتمية لإعادة كتابـــة التاريخ المسرحـــي
غوثـــي: تاريخ المســـرح الجزائري يمتد إلى عمق الممارسات الفرجوية الشعبية
الزقـــــاي: الساحة الثقافية بحاجة ماسة لإعداد كتاب جامــــع في النقـــد المسرحـــي
بن عمـــــر: العـــروض التي لم تصلنـــا نصوصهـــا ووثائقهـــا لهـــا أهميــــة في التاريــــــخ
احتضنت قاعة الطاهر وطار، ضمن فعاليات الطبعة التاسعة والعشرين للصالون الدولي للكتاب بالجزائر، ندوة خاصة بـ«مئوية المسرح الوطني الجزائري”، بالتنسيق مع المسرح الوطني الجزائري، بمشاركة الباحث زري غوثي، والدكتورة جميلة مصطفى الزقاي، والباحث عزوز بن عمر، والفنان عبد الحميد رابية، حيث قدّم المتدخلون قراءات مختلفة لمسار المسرح الجزائري، من جذوره الشعبية والأشكال التعبيرية السابقة للاستعمار، مرورا بالمراحل التأسيسية ومحطات التحوّل، وصولا إلى إشكالات الكتابة التاريخية والنقد والتوثيق.
وطرحت المداخلات جملة من الأسئلة المرتبطة بكيفية قراءة تاريخ المسرح الجزائري، ومدى كفاية الاحتفاء بمائة عام من التجربة المسرحية دون العودة إلى ما سبقها من ممارسات فرجوية، إلى جانب ضرورة مراجعة الوثائق والأرشيف والنصوص التي تشكّل مرجعا أساسيا لفهم هذا المسار، كما التقت الآراء عند أهمية تجاوز النظرة التي تحصر تاريخ المسرح في تاريخ المؤسسات والعروض الموثقة، والانتباه إلى التجارب الشعبية والذاكرة الفنية التي لم تحظ بالبحث الكافي.
واستعرض الفنان عبد الحميد رابية في مداخلة افتتاحية رفعت لروح الفنان سيد أحمد أقومي، مسيرة الفنان الراحل وتجربته في المجال المسرحي، متوقفا عند أبرز المحطات التي طبعت مشواره الإبداعي وإسهاماته في الحركة المسرحية الجزائرية، ضمن لقاء أعاد النقاش إلى أهمية استحضار تجارب الفنانين الذين ساهموا في بناء هذا المسار وتطويره.
من حلقات المداحين إلى خشبة المسرح
أكد الفنان عزري غوثي في مداخلته أن تاريخ المسرح الجزائري لا ينبغي أن يُحصر في مئوية المسرح الوطني أو أن يُربط حصريا ببداية النشاط المسرحي خلال فترة الاستعمار الفرنسي، موضحا أن المجتمع الجزائري عرف قبل ذلك أشكالا متعدّدة من التعبير والفرجة، كانت حاضرة في القرى والأسواق والحلقات والمناسبات الشعبية، من خلال الغناء والرقص والاحتفالات وممارسات المداحين والحكواتيين.
وأشار عزري إلى أن حلقات المداحين لم تكن مجرد فضاءات للتسلية، بل كانت تتوفر على عناصر أساسية للعرض المسرحي، من فنان وجمهور وفضاء وتفاعل، حتى وإن اختلفت بنيتها عن النموذج المسرحي الأوروبي، مضيفا أن هذه الممارسات حملت رسائل اجتماعية وسياسية، وأسهمت في تمجيد الأبطال والتعريف بالقضايا التي تشغل المجتمع، كما أدت أحيانا أدوارا في نقل الأخبار والرسائل بين المناطق خلال الثورة التحريرية.
واستحضر عزري غوثي تجربة الكوميديا ديلارتي الإيطالية، التي تشكّلت في البداية من ممارسات فرجوية قبل أن تُدوّن نصوصها، واستمرت قرابة قرنين، معتبرا أن التراث الشعبي الجزائري يزخر بدوره بأشكال تعبيرية تستحق الجمع والدراسة والاستثمار فنيا، بدل إهمالها أو التعامل معها باعتبارها ممارسات هامشية.
ولفت إلى ضرورة توسيع البحث ليشمل الفترات السابقة للاستعمار الفرنسي، وما عرفته المنطقة من تاريخ أمازيغي وروماني، وما ارتبط به من طقوس واحتفالات وأشكال تعبير، مؤكدا أن الباحثين والفنانين والمؤسسات الثقافية لم يمنحوا هذا الجانب ما يستحقه من اهتمام. كما دعا إلى الاستفادة من الوثائق الأرشيفية، بما فيها تقارير الشرطة الفرنسية التي كانت تتابع حلقات المداحين والممارسات الشعبية، باعتبارها مصادر يمكن أن تكشف جوانب من تاريخ الفرجة في الجزائر.
وحذّر المتحدث من اندثار عدد من هذه الممارسات بفعل غياب التدوين والتوثيق، مشدّدا على أهمية البحث الميداني والأرشيفي لحفظ الذاكرة الشعبية وإعادة إدراجها ضمن تاريخ المسرح الجزائري.
محطات مفصلية في التاريخ
من جهتها، أوضحت الدكتورة جميلة مصطفى الزقاي أن الاحتفاء بمائوية المسرح الوطني الجزائري لا ينبغي أن يقتصر على استذكار مرور مائة عام، بل يمثل مناسبة للتأمل في المسار المسرحي، وإجراء قراءة نقدية وإحصائية لمختلف التحولات التي عرفها، من حيث التجارب والمضامين والأشكال الجمالية والسياقات السياسية والفكرية التي رافقتها.
واعتبرت الزقاي أن المرحلة السابقة لسنة 1926 لا تزال بحاجة إلى مزيد من الحفر والتنقيب، قبل التوقف عند المحطات التأسيسية التي شهدتها الفترة الممتدة بين 1921 و1939، حيث ظهرت البدايات الأولى للمسرح باللغة العربية الفصحى عبر الجمعيات الثقافية والإصلاحية، قبل أن يشكل عرض “جحا” لعلي سلالي المعروف بعلالو سنة 1926 منعطفا مهما، من خلال الانتقال إلى الدارجة الجزائرية وتقريب العرض من الجمهور.
وذكرت المتدخلة – في السياق – أسماء عدد من رواد المسرح الجزائري، من بينهم علالو، ورشيد قسنطيني، ومحي الدين بشطارزي، ومحمد التوري، مشيرة إلى اختلاف تجاربهم وإسهاماتهم في تطوير الممارسة المسرحية، سواء من خلال الكوميديا والنقد الاجتماعي أو تنظيم الفرق والجولات المسرحية. كما توقفت عند الأشكال السابقة للمسرح، مثل المداح والحكواتي والبراح والجوال، باعتبارها روافد لا يمكن تجاوزها عند البحث في الجذور الأولى للفرجة.
واستعرضت الزقاي مرحلة الثورة التحريرية التي عرفت تأسيس الفرقة الفنية لجبهة التحرير الوطني بقيادة مصطفى كاتب، والتي جابت عددا من عواصم العالم للتعريف بالقضية الجزائرية، وقدّمت أعمالا من بينها “الخالدون” و«أبناء القصبة” و«دم الأحرار”، إلى جانب نصوص كاتب ياسين، ومنها “الجثة المطوقة”.
أما مرحلة ما بعد الاستقلال، الممتدة بين 1962 و1970، فقد تميزت ـ حسب المتحدثة ـ بتأميم الهياكل المسرحية وتأسيس المسرح الوطني ومعهد التكوين ببرج الكيفان، فضلا عن انطلاق مهرجان مسرح الهواة بمستغانم سنة 1967، الذي تحوّل إلى فضاء للتكوين واكتشاف المواهب. كما أشارت إلى تجربة رويشد وأعماله التي تركت بصمتها، على غرار “حسن طيرو” و«البوابون”.
وتوقفت الزقاي عند ما وصفته بالعصر الذهبي للمسرح الجزائري بين 1971 و1989، حيث برز البحث عن هوية فرجوية محلية، من خلال تجارب عبد القادر علولة واستلهامه فن الحلقة والجوال الشعبي، وولد عبد الرحمن كاكي الذي وظّف التراث الشعبي والصوفي في أعماله، إلى جانب تجربة كاتب ياسين في المسرح الشعبي بالدارجة والأمازيغية، كما ذكرت أسماء سليمان بن عيسى، وعز الدين مجوبي، وزياني الشريف عياد، وما رافق تلك المرحلة من تجارب مستقلة وتعاونية.
وأكدت الزقاي في ختام مداخلتها ضرورة إعداد كتاب جامع في النقد المسرحي، والاعتراف بتقصير النقد في مواكبة الإنتاج المسرحي، بما يسمح بتقييم التجارب وإعادة قراءة مختلف مراحلها.
الذاكرة المسرحية.. أسئلة عالقة
أما الباحث عزوز بن عمر، فطرح سؤالا مركزيا حول طبيعة الاحتفاء بالمئوية، متسائلا: هل نحتفي بمائة عام من المسرح أم بمائة عام من البحث عن المسرح الجزائري؟ وهل حققت الممارسة المسرحية، بعد قرن من التجارب، الأهداف التي تطمح إليها؟ وأكد أن طرح هذه الأسئلة لا يعني التشكيك في المنجزات أو في شرعية التاريخ المسرحي، وإنما يتعلق بمراجعة الطريقة التي تشكّل بها وعينا بهذا التاريخ وكيفية كتابته.
وأوضح عزوز أن الوثيقة تمثل سندا أساسيا للباحث في هذا المجال، معتبرا أن غياب عدد من النصوص المسرحية التي تحدث عنها الباحثون خلال مائة عام يثير تساؤلات حول مصيرها وقيمتها الأدبية والفنية والفكرية والفلسفية.
ودعا إلى عدم الاكتفاء بالمراجع المعروفة، بل التوجّه إلى الصحافة الفرنسية ومحاضر الرقابة والتقارير البوليسية الاستعمارية، التي يمكن أن تكشف جوانب من نشاط الفنانين ونضالهم، وتساعد على استكمال الصورة التاريخية.
وأشار الباحث إلى ضرورة التمييز بين الممارسة المسرحية بوصفها فعلا إبداعيا يتجدّد مع كل عرض، والتاريخ المسرحي باعتباره معرفة علمية تحتاج إلى التحقيق والتوثيق وإعادة القراءة.
كما لفت إلى وجود عشرات الدراسات حول المسرح الجزائري وتاريخه والإخراج ضمن منصة المجلات العلمية المحكمة التابعة لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي، غير أنها تحتاج إلى إثراء، خاصة في الجوانب الفنية والتقنية التي لا تحظى دائما بالاهتمام نفسه الذي تمنحه الدراسات للغة والأسلوب.
وكشف بن عمر عن العمل على ترجمة وتحقيق وثيقة تاريخية من 54 صفحة باللغة الفرنسية، عثر عليها الباحث الطيب ولد العروسي، موضحا أنه شارك في الاشتغال عليها، ومن المنتظر أن تصدّر قريبا باللغة العربية. وأضاف أن الوثيقة كشفت لهما جوانب مجهولة من الأفكار والسياقات التي حركت بعض الأعمال المسرحية القديمة، بما يؤكد أهمية البحث عن المصادر خارج الأرشيف المحلي المتاح.
وشدّد المتحدث على أن تاريخ العروض التي لم نشاهدها، أو التي لم يبق منها نص أو صورة أو شهادة، لا يقل أهمية عن تاريخ العروض التي وصلتنا وثائقها، موضحا أن غياب الوثيقة لا يعني بالضرورة غياب الحدث، مثلما أن وفرة الوثائق لا تعني امتلاك معرفة تاريخية مكتملة.. ومن هنا، دعا إلى مساءلة ما غاب عن الأرشيف، والبحث في أسباب ضياعه، وعدم الاكتفاء بما بقي محفوظا.






