كشفت الاعتداءات الإرهابية على باريس العديد من المعطيات الجديدة، التي يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار في مكافحة الإرهاب العالمي، وإلا ستكون العواقب وخيمة مستقبلا على الجميع.
كانت الجزائر منذ التسعينات قد أيقنت خفايا الإرهاب الذي اكتوت به وكلفها خسائر بـ25 مليار دولار، و250 ألف قتيل، وحذرت حينها العالم بأسره من هذا الأخطبوط الزئبقي، ولكن الكثير من الدول وخاصة منها الغربية أخذت الملف باستهتار، وفوق ذلك فرضت حصارا على الجزائر وشككت فيما يحدث ببلادنا، لينصف التاريخ الجزائر التي باتت مرجعا لمكافحة الإرهاب، ومرجعا للبديل من خلال تشجيع المصالحة الوطنية ووضع التنمية في صلب محاور تحسين أوضاع الشعوب، وحوار الحضارات للتخلص من التطرف ومحاصرته، وتسبيق الدبلوماسية عن لغة السلاح للتقليص من بؤر التوتر.
أظهر التطورات أن الإرهاب في الجزائر كان أكبر من جماعات متطرفة وظفت الدين والعنف لتحقيق مصالح ضيقة، وتبين من خلال نجاح الجزائر في فك شفرة التطرف آنذاك أن الأمر كان يتعلق بمؤامرة دولية تستهدف وحدة وسلامة وأمن الجزائر، حيث استغلت الكثير من القوى الانفتاح الديمقراطي لتمرير رسائل ومضامين ساهمت في إذكاء نار الفتنة في بلادنا.
لقد تكالب تجار السلاح والحروب، وأصحاب الأفكار المتطرفة والتيارات الدينية المقولبة، ووسائل الإعلام التي استفادت من الثورة التكنولوجية على الجزائر وعاشت مختلف ولايات الوطن جرائم ومجازر وعمليات تنكيل وتقتيل فاقت بشاعتها ما صنعته الأفلام وخيال البشر، ولم يجد الجزائريون العزاء من أي أحد وقاومت لوحدها طيلة أكثر من 10 سنوات حتى أحداث 11 سبتمبر 2001.
التاريخ أنصف الجزائر
اعترف العالم بأسره بعد 11 سبتمبر 2001 بتحذيرات الجزائر من تمادي المد الإرهابي، حيث كانت تحذر من معسكرات تدريب الشباب المغرر بهم في أفغانستان ومخلفات الحروب الناتجة عن صراع القوى العظمى في العراق وعديد الدول الإفريقية، وكذا من مرحلة ما بعد «الربيع العربي» الذي كان مطية لتجميع الشباب العربي والأجنبي في مناطق محددة ودعمها بالسلاح وعمليات غسيل الدماغ، لتنفيذ أجندات استخباراتية دولية معقدة لزرع الفوضى في العالم العربي والإسلامي وبين الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، ووصل الأمر بهذه المخططات إلى الفشل والخروج عن السيطرة لينقلب السحر على مخابر الاستخبارات، وباتت كبرى العواصم العالمية محطة للتفجيرات والاعتداءات.
وكانت باريس ولندن، وبروكسل ومدريد في وقت سابق محطات لإيواء العديد من الحركات المتطرفة، حيث كان يسمح لها بالنشاط والتنظير وجمع التبرعات وتفتح لها وسائل الإعلام للتعبير وكسب الدعاية والتأييد، وهذا في سياق تحضيرها لتجسيد مخططات التهديم والتحطيم وتقسيم الدول.
وقد دفعت هذه المخططات الجزائر للمطالبة عبر الأمم المتحدة بضرورة وضع تعريف للإرهاب يجمع كل الدول، مع التركيز على ضرورة التفريق بين المقاومة المشروعة والإرهاب، وهو ما لم تتقبله الكثير من الدول وخاصة المتقدمة منها، لأن ذلك سيحرمها من مصالح كبرى، كما أن الشركات المتعددة الجنسيات التي تدير مقاليد العالم هي التي تبحث عن مخططات لزيادة ثرواتها ولو بتقسيم الدول وقتل الشعوب وخلق الفوضى، وهو ما لم يعد يخفى على أحد.
لقد أكدت الجزائر في العديد من المحافل، أن الحل العسكري أو الأمني وحده لن يكون حلا وهو ما تجلى في ليبيا خاصة، حيث نبهت الجزائر لفوضى انتشار السلاح وطالبت بضرورة تشجيع الحل الدبلوماسي، وهو المقترح الذي تأخر كثيرا قبل محاولة تجسيده بعد سنوات من مآسي دفع ثمنها الشعب الليبي.
كما أن ما يحدث في سوريا لم يمر مرور الكرام على الجزائر، حيث أكدت أن الوقوف إلى جانب الشعب السوري أحسن حل للقضية، لكن الدول الكبرى سارعت للحل العسكري، وفوق ذلك كل بلد تبنى مجموعة معينة ودعمها بالسلاح والمال من جهة لإسقاط بشار الأسد، ومن جهة أخرى لمحاربة شبح «داعش» في سيناريو غريب، وزاده غرابة دخول موسكو بأفكار جديدة في سوريا وهو الأمر الذي جعل الأمور تتسارع بين إسقاط الطائرة الروسية في سيناء، وتفجيرات باريس التي تتقاطع في تبني واتهام «داعش»، وهو ما يؤكد الإفلاس المخابراتي الكبير للقوى العظمى، التي تكون قد فقدت بوصلة التحكم في إرهاب افتراضي أو عدم تفاهمها على المصالح.
الإرهــــــــــــــاب… تجـــــارة رائجـــــة
دخل الإرهاب بقوة على الساحة الاقتصادية والتجارية، حيث تمكنت القوى العظمى من عقد صفقات تسلح، فاقت مئات الآلاف من ملايير الدولارات وباتت ميزانيات التسلح تحتل الصف الأولى في أكثر من 100 دولة، وتحت مبررات مكافحة الإرهاب، وفوق ذلك وصل الأمر بعديد الدول إلى عقد صفقات مع جماعات إرهابية متعلقة بالنفط والسلاح، وهو ما يبرر سعي الكثيرين للحفاظ على بؤر التوتر لأطول مدة، وهذا لتحقيق أكبر قدر من الفوائد، فالعراق مثلا مازال يدفع فاتورة الانفلات الأمني، الذي يعيشه منذ بداية التسعينات وبات نفطه وخيراته تحت رحمة الدول الكبرى.
وقد طرحت الجزائر في الكثير من المرات قضية تجريم الفدية، ولم يتم قبولها عالميا إلا بعد سنوات، لأن ذلك قطع الكثير من طرق التمويل على الجماعات الدموية، التي قلصت من عمليات الاختطاف واحتجاز الرهائن، بعد أن تأكدت من عدم دفع الدول للفدية، وتبني الأمم المتحدة المقترحات الجزائرية.
ويربط الكثير من الخبراء تراجع أسعار النفط بوجود كميات هائلة من الذهب الأسود، تباع في أعالي البحار بأسعار بخسة جدا، كما أن الكثير من الجماعات الإرهابية تقايض النفط بالسلاح.
وبالمقابل بنت الكثير من الدول اقتصادياتها على مكافحة الإرهاب من خلال تطوير أنظمة الحماية الإلكترونية والتكنولوجيات، التي تدر ملايير الدولارات.
فالاعتداءات الإرهابية تعقبها إطلاق صفقات لتعزيز أمن المطارات وطلبيات أسلحة متطورة ومنتجات تكنولوجية عالية الدقة، تحت طائلة تعزيز الإجراءات الأمنية والتصدي للإرهاب.
تكنولوجيات الإعلام والاتصال واللعبة القذرة
سقطت كبرى وسائل الإعلام العالمية في فخ التعامل بازدواجية في ملف الإرهاب، فسيطرة قوى خفية وتحالفها مع كبرى الشركات المتعددة الجنسيات وتبرير اللجوء وراء الإشهار أكثر من تقديم الخدمة العمومية، ودخلت في متاهة الترويج للمخططات الاستخباراتية من خلال تقديم مضامين مسمومة للرأي العام، فتصنع الرأي كما تريد، وتساند أصحاب الباطل وتحتقر أصحاب الحق.
وأظهر تعامل كبرى وسائل الإعلام العالمية التي تصنع الرأي العام بين ما يحدث في سوريا والعراق واليمن وغيرها من بؤر التوتر وبين ما حدث في باريس ومدريد ولندن سابقا، يعكس انحرافا كبيرا في الأهداف التي أنشئ من أجلها الإعلام.
وتبين أن الكثير من الاعتداءات الإرهابية كانت مفبركة لضرب صورة الإسلام والمسلمين والعرب والترويج لما يسمى «الإسلاموفوبيا» وهو لب الصراع اليوم، حيث جند الغرب الكثير من مثقفيه للتهجم على حضارة الشرق وعلى الإسلام والمسلمين.
وما يحدث في فلسطين والانحياز الفاضح للصهاينة، الذين يملكون كبرى وسائل الإعلام إلا دليل على أن ما يحدث في العالم فيه الكثير من النمطية والافتراضية ولكن هيهات أن فيما نفكر وفيما نجد في الواقع، وهو ما لم يدركه الغرب أو يعرفه ويتعمد للتمادي في العزة بالاثم.




