التكامـل بــين الـثروة المنجميــة والزراعيــة.. آفــاق اقتصاديـة واعـــدة
الشريان الجديد للاقتصاد.. ركيزة السّيادة وضمانة الأمن الغذائي
تمثل مشاريع ربط السكك الحديدية بالمناجم، والموانئ، وتعزيز هذه الشبكة، عصب التنمية الاقتصادية في المرحلة المقبلة ببلادنا، لما له من مردودية مباشرة وغير مباشرة على الاقتصاد الوطني، من خلال تنشيط الاستثمارات الصناعية والتجارية في مختلف ولايات الوطن، حيث تندرج هذه الجهود ضمن رؤية الدولة بقيادة الرئيس عبد المجيد تبون، لعصرنة قطاع النقل واللوجستيك الذي يعد من القطاعات السيادية والإستراتيجية في دعم الاقتصاد الوطني، إذ تتّجه بلادنا بخطى ثابتة نحو بناء استراتيجية وطنية متكاملة للنقل واللوجستيك، تسعى من خلالها السلطات العليا في البلاد إلى مواكبة المعايير الدولية وتحقيق التكامل بين الثروة المنجمية والزراعية وفتح آفاق واعدة نحو تصدير المنتوج المحلي خارج قطاع المحروقات.
أكّد الخبير الاقتصادي والاستشاري في اللّوجستيك والنقل الدولي، رشيد حاج هني، أنّ مشاريع ربط شبكة السكك الحديدية بالمناطق الصناعية والمنجمية والفلاحية في الجزائر، تعد من أهم المشاريع الوطنية الكبرى، لما تمثله من ركيزة أساسية في بناء اقتصاد متنوع ومستدام يعتمد على النقل الحديث والفعالية اللّوجستية.
وأوضح الخبير في تصريح لـ»الشعب»، أنّ هذه المشاريع تترجم الرؤية الاستراتيجية للدولة الجزائرية بقيادة الرئيس، عبد المجيد تبون، الهادفة إلى تثمين الموارد الطبيعية والمنجمية وربطها بالموانئ ومراكز التحويل والتصنيع، مشيرا إلى أنّ الجزائر «تعمل اليوم على خلق ديناميكية اقتصادية حقيقية عبر الاستثمار في النقل الحديدي، الذي يعتبر من أهم المنجزات الوطنية في المرحلة الراهنة».
وأضاف حاج هني أنّ الجزائر استثمرت مبالغ ضخمة لإنجاز هذه المشاريع الحيوية، التي «ستسمح بإعادة بعث الحركة الاقتصادية على المستوى الوطني وتمنح دفعا قويا للقطاعات المنتجة»، مؤكّدا أنّ رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون شدّد مرارا على «ضرورة تسريع وتيرة إنجاز هذه المشاريع التي تشكّل شريانا اقتصاديا جديدا».
تعزيز الديناميكية الاقتصادية
في السياق ذاته، قال المختص في اللوجستيك، إنّ مشروع ربط السكك الحديدية بالمناطق الصناعية والمناجم المنتشرة عبر مختلف مناطق الوطن، يعد من أكبر المشاريع الاستراتيجية التي تعمل عليها الدولة الجزائرية حاليا، باعتباره من المنجزات الوطنية الكبرى التي تهدف إلى تطوير البنية التحتية وتعزيز الديناميكية الاقتصادية في البلاد، وأوضح أنّ توسيع شبكة السكك الحديدية، التي توصف بأنها شبكة «عنكبوتية» تمتد لتربط المشاريع الكبرى، يندرج ضمن رؤية الدولة لتقوية الربط اللوجيستي بين مناطق الإنتاج وموانئ التصدير، ممّا يساهم في رفع فعالية الاقتصاد الوطني، وأضاف أنّ الجزائر تولي أهمية بالغة لهذا المشروع لما يمثله من قيمة استراتيجية في ربط المناجم والمناطق الصناعية، وأيضا في فكّ العزلة عن المدن الداخلية والجنوبية، معتبرا أنّ هذه المشاريع لا تقتصر على تحسين النقل فحسب، بل تعدّ رافدا حقيقيا لخلق الثروة وتوفير مناصب شغل للشباب.
من المناجم إلى الموانئ..
من جهة أخرى، أبرز الخبير الاقتصادي أنّ من بين الاستراتيجيات والمشاريع الكبرى، التي تبنتها الدولة الجزائرية في السنوات الأخيرة، ربط الموانئ التجارية وموانئ التصدير والاستيراد بشبكة السكك الحديدية الوطنية، وذلك في إطار خطة شاملة لتحديث قطاع النقل وتعزيز دوره في التنمية الاقتصادية.
وأوضح الخبير أنّ هذا المشروع يهدف بالأساس إلى نقل المواد المنجمية من مختلف المناجم نحو الموانئ مباشرة، لتصديرها عبر البواخر المتخصّصة في نقل المواد البتروكيماوية والمنتجات المنجمية الجزائرية، مؤكّدا أنّ هذا الربط يمكّن من تقليص التكاليف اللوجستية ورفع كفاءة التصدير، وأضاف أنّ هذه الشبكة الحديدية المتطورة أصبحت رافدا حقيقيا لدعم قطاع النقل واللوجستيك، إذ منحت الجزائر ديناميكية جديدة في مجال تنقّل البضائع وتعزيز المبادلات التجارية.
وأشار هني إلى أنّ رئيس الجمهورية يولي أهمية خاصة لهذا الملف، من خلال اعتماد استراتيجية وطنية للنقل بالسكك الحديدية تهدف إلى جعل الجزائر من الدول الرائدة في مشاريع ربط السكك الحديدية، سواء داخليا بين الولايات أو خارجيا ضمن المشاريع الإقليمية الكبرى.
ولفت محدثنا إلى أنّ مشاريع ربط شبكة السكك الحديدية بدأت تدخل مرحلة التنفيذ الفعلي في عدد من المناطق الاستراتيجية، على غرار مشروع غارا جبيلات في تندوف ومشروع الحديد والصلب بالحدبة في تبسة، مؤكّدا أنها تندرج ضمن مخطّط وطني شامل لربط المناجم والموانئ والمناطق الصناعية، عبر شبكة موحّدة تسهّل عملية نقل المواد الأولية وتخفض تكاليف الإنتاج.
وبيّن الخبير أنّ «الربط بين المناجم والموانئ يمثل محورا أساسيا في سياسة النقل الوطني، إذ تسعى الدولة إلى تسهيل نقل المواد المنجمية نحو الموانئ لتصديرها مباشرة عبر السفن المختصة في نقل المواد المعدنية والبتروكيماوية، ما سيُسهم في رفع كفاءة اللوجستيك وتعزيز تنافسية الجزائر في الأسواق الإقليمية والدولية».
ديناميـة عاليـة..
قال الخبير الاقتصادي حاج هني، إنّ من بين الأسباب الرئيسية التي جعلت الدولة الجزائرية تولي اهتماما خاصا لمشاريع السكك الحديدية، هو الوعي المتزايد بأهميتها الاقتصادية والاستراتيجية، مشيرا إلى أنّ السلطات تعمل على تطوير هذه المشاريع وإنجازها في المواعيد المحدّدة، نظرا لدورها المحوري في تحسين منظومة النقل الوطني، وأوضح أنّ النقل عبر السكك الحديدية أصبح اليوم يشكّل بديلا فعالا واقتصاديا مقارنة بالنقل البري بالشاحنات، خاصة بعد ربط المناطق الصناعية ومصانع الحبوب والبذور بهذه الشبكة، ما سمح بتقليص فترات النقل وتسهيل حركة المواد الأولية والمنتجات الصناعية نحو مختلف وجهاتها داخل الوطن.
وأكّد حاج هني أنّ فعالية شبكة السكك الحديدية انعكست بشكل إيجابي على قطاع النقل واللوجستيك، حيث ساهمت في تخفيض تكاليف النقل التي كانت تمثل عبئا كبيرا على المتعاملين الاقتصاديّين، موضّحا أنّ الدولة «تعمل على جعل النقل الحديدي الوسيلة الأساسية لحركة البضائع والمواد المنجمية والفلاحية، لما يتميّز به من سرعة ومردودية عالية مقارنة بالنقل البري»، مشيرا إلى أنّ ذلك «سيسمح بتقليص زمن الشحن والتكاليف المادية».
وأشار حاج هني إلى أنّ شبكة السكك الحديدية الجديدة ستعيد التوازن إلى التنمية الجهوية، من خلال ربط المدن الصناعية بالموانئ والمناجم والمناطق الفلاحية، مؤكّدا أنّ هذه المشاريع «تعد وسيلة فعالة لفكّ العزلة عن المناطق الداخلية والجنوبية وخلق فرص جديدة للاستثمار».
مفاتيح البناء الاقتصادي..
في السياق، تطرّق هني إلى أهمية تطوير النقل الفلاحي عبر السكك الحديدية، مؤكّدا أنّ الجزائر تسعى إلى توسيع استعمال القاطرات المبردة لنقل المنتوجات الزراعية من الجنوب إلى الشمال، موضّحا أنها تساعد في عملية التصدير، وقد لاحظنا – يقول محدثنا – أنّ الجنوب الجزائري يزخر كثيرا بالمنتوجات الزراعية والفلاحية وله مردود كبير، وستكون شبكة النقل عاملا مهما في تصدير المواد الفلاحية إلى الأسواق العالمية، خاصة وأنّ الجزائر تبحث عن تحقيق رقم ثلاثين مليار دولار خارج المحروقات خلال آفاق سنة 2030.
وبعد أن شدّد على أنّ قطاع النقل، ولا سيما النقل عبر السكك الحديدية، يعد أحد أهم المحرّكات التي يمكن أن تُسهم في تطوير الاقتصاد الوطني وتعزيز الصادرات الفلاحية الجزائرية نحو الأسواق الداخلية والخارجية، أوضح هني أنّ ربط المناطق الجنوبية بالشمالية بواسطة خطوط النقل المجهّزة بقاطرات التبريد سيحدث نقلة نوعية في منظومة توزيع المنتوجات الزراعية، نظرا لما تمتاز به هذه الوسائل من قدرة على الحفاظ على جودة المنتجات وحيويّتها إلى غاية وصولها إلى وجهتها النهائية.
وأشار الخبير إلى أنّ هذه الخطوط ستُسهم في نقل الفواكه والبقوليات والمنتجات الغذائية المختلفة المنتجة في الجنوب الجزائري نحو الشمال، ما يضمن الحفاظ على جودتها أثناء النقل، كما لفت إلى أنّ هذه المنظومة ستفتح آفاقا واعدة لتصدير المنتجات الفلاحية نحو الأسواق الخارجية، خاصة وأنّ الجنوب الجزائري يزخر بمنتجات فلاحية ذات مردودية عالية وجودة متميّزة، ما يجعلها مؤهّلة للمنافسة في الأسواق العالمية.
وأشار محدثنا إلى الاهتمام المتزايد بالزراعة والمنتوج الفلاحي في الجزائر، وأصبح اليوم يكتسي أهمية استراتيجية كبيرة، لما يحقّقه من مردودية اقتصادية عالية، مؤكّدا أنّ المنتوجات الفلاحية، ولا سيما القادمة من الصّحراء الجزائرية، تعد من المواد ذات الجودة العالية، ما جعلها تحظى باهتمام الأسواق الخارجية ويتم تصديرها إلى عدد من البلدان المهتمة بالمنتوج الجزائري.
المنتوجات الفلاحية بالأسواق العالمية
أشار حاج هني – في تصريحه – إلى أنّ إدراج التكنولوجيا الحديثة في هذا المجال سيحدث نقلة نوعية، مشيرا إلى أنّ مختلف المشاريع الجاري تنفيذها بالجزائر تندرج ضمن جهود عصرنة قطاع النقل وتطوير مجال اللوجستيك، باعتبارهما من القطاعات الاستراتيجية والحيوية والسّيادية، التي تشكّل ركيزة أساسية في دعم الاقتصاد الوطني.
وأوضح حاج هني أنّ الدولة تبذل في الوقت الراهن مجهودات معتبرة من أجل تحسين أداء هذا القطاع، مشيرا إلى أنّ النقل اللوجيستي يعد عنصرا سياديا بامتياز، لكونه يرتبط مباشرة بسيادة الدولة الاقتصادية والأمنية، مبرزا أنّ إدراج البرامج الحديثة، وإقحام التكنولوجيا الجديدة، والاستفادة من الخبرات والعتاد المتطور، تعد من أهم العوامل التي من شأنها أن تساهم في تطوير القطاع في الجزائر وتعزيز تنافسيّته على المستويين الوطني والدولي، وأضاف الخبير أنّ «النقل اللوجستي أصبح يحظى اليوم باهتمام متزايد لما له من مردودية كبيرة في النهوض بالاقتصاد الوطني، ولأجل مرافقة المواعيد الاقتصادية الكبرى التي تشرف عليها الجزائر وتسعى من خلالها إلى دخول الأسواق العالمية».
وأوضح حاج هني أنّ قطاع النقل واللوجستيك يعد شريانا أساسيا للاقتصاد الجزائري، ومكوّنا جوهريا لمرافقة المشاريع الاقتصادية الكبرى، التي تعمل الدولة على تجسيدها، كما أكّد أنّ الجزائر تتبنى اليوم رؤية استراتيجية تقوم على تحديث قطاع النقل وإدماج التكنولوجيات الحديثة ضمن منظومته، بما في ذلك الوسائل الرّقمية المتطورة والعتاد الحديث، للاستفادة من الخبرات الدولية في هذا المجال.
وأبرز المتحدث أنّ الدولة تبذل جهودا ملموسة لتطوير قطاع النقل واللوجستيك، نظرا لكونه قطاعا استراتيجيا وسياديا يساهم في تحسين تنافسية الاقتصاد الوطني ويُسهم في إنجاح الرؤية المستقبلية للتنمية المستدامة. وأوضح أنّ إدراج البرامج الحديثة واعتماد التكنولوجيا في هذا المجال من شأنه أن يرفع من فعالية سلاسل التوريد ويعزّز القدرة على التحكّم في نقل وتوزيع السلع.
وخلص الخبير إلى التأكيد على أنّ الاهتمام المتزايد بالنقل اللوجيستي يعد خطوة محورية لضمان تسويق المنتوجات الفلاحية الوطنية في الأسواق العالمية، وفق المعايير الفنية والنوعية الدولية، موضّحا أنّ تحسين منظومة النقل هو الضامن الحقيقي لولوج الجزائر إلى الأسواق الخارجية وتعزيز مكانة المنتوج المحلي.





