تنفرد ولاية معسكر، عاصمة الأمير عبد القادر، بتقاليد ضاربة في عمق التاريخ عند استقبال رأس السنة الأمازيغية “يناير”، فالمناسبة بالنسبة لسكان معسكر، هي “عيد الأرض والخصوبة”، ومحطة سنوية يتجدّد فيها العهد مع التراب، والتعبير عن التفاؤل بموسم فلاحي يفيض بالخير والبركة.
تبدأ الاحتفالات فعلياً في الحادي عشر من يناير، حيث تستيقظ البيوت المعسكرية على رائحة زكية تنبعث من قدور “الشرشم”، هذا الطبق هو سيد موائد جميع العائلات على اختلاف قدرتها المعيشية، ويمثل “رسالة تفاؤل” بالرزق والوفرة، يُجهز الشرشم من خليط متجانس من محاصيل العام، اهمها القمح، الفول اليابس، والحمص.
وتكمن رمزية هذا الطبق في عملية طهيه؛ حيث يراقب المعسكريون حبات القمح وهي تنتفخ في الماء المغلي، فكما تنتفخ الحبة في القدر وتزيد في حجمها وكميتها، يرجون سعة الرزق والبركة في العام الجديد، حيث تقول السيدة عمرية (65 سنة)، أن هذه العادات لم تنقطع عن عائلتها وتوارثتها عن والدتها التي لطالما أكدت لها، أن طبق الشرشم كان يفضله المجاهدون ويسعدون كثيرا بتقديمه لهم في ليالي الشتاء الباردة خلال الثورة التحريرية المباركة، مضيفة ان توزيع “الشرشم” على الجيران والأطفال هو طقس تكافلي واجب، يمثل التفاؤل بالصدقة، ويهدف إلى نشر البركة لتعمّ القرية أو الحيّ بأكمله، إيماناً بأن “اليد الواحدة لا تصفق” في مواسم الحرث والحصاد.
ليلـــة “النايـــر”.. سحـر “المخلـط” ولمّ شمـــل العائلــة
مع غروب شمس يوم الحادي عشر، تتوجه الأنظار إلى “ليلة الناير”، الليلة التي تجتمع فيها العائلة الكبيرة حول مائدة واحدة لتجديد الروابط المتينة. وبعد عشاء تقليدي فاخر (غالباً ما يكون الكسكسي بالدجاج العربي)، تتصدر المشهد “سيدة السهرة” وهي قصعة المخلط الخشبية، التي تُملأ بما جادت به الأرض من خيرات، ويشمل “المخلط” مزيجاً غنياً من المكسرات: جوز، لوز، وبندق وبلوط وفواكه مجففة، كالتين (الكرموس)، الزبيب، والمشمش، وهي التي خُزنت بعناية منذ فصل الصيف، إضافة إلى الحلويات والفواكه الموسمية، التي تضفي بهجة خاصة للأطفال، كما يوزع المخلط في أجواء من الفرح، حيث يتبادل الكبار “الخريفات” (الحكايا الشعبية) والأمنيات بأن يكون العام الجديد “حلواً” ومباركاً، في حين تجمع قشور المكسرات بعناية وتوضع فوق سطح البيت او مكان تسطع عليه أشعة الشمس، مع الحرص أن لا يُكنس البيت في هذه الأيام.
يناير كفلسفة للحياة.. تفاؤل بالوفرة وتجديد للروح
تقول المختصة في علم الاجتماع فطيمة حشروف، إن احتفالات يناير في معسكر تتجاوز حدود الأطباق لتصبح فلسفة قائمة على “الفأل الحسن”، ففي هذه الفترة التي تسمى “الليالي”، يكسر المعسكريون برودة الشتاء بدفء اللمة، ويستبدلون شح الأرض (في فترة السبات) باستعراض مدخراتهم، كما ترافق هذه الموائد طقوس رمزية، مثل تغيير حجارة الموقد أو قص خصلة من شعر الصغار، وكلها ممارسات تصبّ في خانة واحدة هي استقبال طاقة العام الجديد بقلب نقي وأمل عريض، في وقت كان يمثل الاحتفالات بيناير استقبال السنة الفلاحية، إدراكا أن “الناير” هو فاتحة التقويم الفلاحي، ومن أكرم أرضه بالاحتفال والشكر في بدايته، أكرمته الأرض بالذهب الأصفر عند حصاده.
يبقى يناير في معسكر أحد روافد الهوية الوطنية وجسراً يربط الإنسان بأرضه وثقافته، ومناسبة يمتزج فيها عبق القمح برائحة الجوز والتين والتلاحم العائلي والاجتماعي، لتعلن أن الخير باقٍ ما دامت العائلة مجتمعة والأرض معطاءة.





