كل شيء فيه صادق، كالمخيم، كالمفاتيح والذكريات، وحبات المطر فوق النفوس الدافئة… كل شيء فيه صادق، كالنبوءة، كالرصيف والبساطة، كالصلاة والعبادة، كل شيء فيه صادق، كالزيت والخبز والمقاومة، لغة الحياة، وكبرياء الموت والإرادة.
لم يفرجوا عنك لأنهم اقتنعوا ببراءتك، ولا لأن ما يسمى الملف السري تبين أنه أكبر خديعة لاعتقال الآلاف من الاسرى وزجهم في الاعتقال الإداري، بل لأن الجسد حين يتعب كثيرا يصبح فضيحة لدولة بوليسية تدفن في قبورها الحجرية كل مبادئ الانسانية، وتتعرى أمام أوجاعك العنيدة.
كنت الضحية والشاهد على الجرائم الممنهجة المستمرة، على إبادة صامتة وموت بطيء، دماء على الجدران، تجويع وإذلال وتعذيب وانتقام وفاشية منفلتة، أسير يودع أسيرا وشهيد يترك بين يديك شهقة ووردة ووصية.
أخاف من نظرات عينيك: عينان كاشفتان، ترى ما لا نراه، لا تبكيان ولا ترتجفان لأية عاصفة أو مداهمة، أمامي رجل هو مؤسسة، ومؤسسة هي فكرة، والفكرة كبيرة كحق العودة، أو كيد تعانق الشمس في ليلة مظلمة، كل شيء فيه صادق، كأنك الوالد والمولود، البدء والختام والبسملة والحكاية، الفرد والمجموع في راية واحدة.
كل شيء فيه صادق، هو الأستاذ خالد الصيفي، هكذا يناديه أهل مخيم الدهيشة، الأستاذ في الدرس، الاستاذ في الشارع، الاستاذ بين البيوت المزدحمة، الاستاذ في السجن، الاستاذ في الملعب والكرة الطائرة، الاستاذ في فرقة الدبكة، الاستاذ في الموسيقى والاغنية، الاستاذ في العرس والجنازة، الاستاذ في الاعتصام أمام الصليب الاحمر، الأستاذ يكتب رسائل ونكشات إلى اينشتاين ومحمود درويش والحلاج وصلاح عبد ربه ومعين بسيسو في غزة، الى الطفلة الشهيدة هند رجب ولكل اطفال العالم، الأستاذ يحفر في القلب والعقل ايمانا ويهدم الخوف والسياج والأسلاك الشائكة.
الأستاذ خالد خرج من السجن مريضاً، العدالة هي المريضة والناقصة، وعندما أراه، أرى كل أصدقائي خرجوا من يوم القيامة وتحولوا إلى أشباه بشر، ليسوا هم في الدنيا ولا هم في الآخرة، لكن طبيب المستشفى الاستشاري في رام الله قال لي: لا تخف، صديقك يتنفس رغم أنه محاصر بالحديد والبرد، صديقك إنسان يمتلك مفاتيح جسده ومفاتيح السجن، يمتلك فكرة لا تموت، الا تسمع صوت الرئة؟
حين أنظر إليه ممداً على السرير، أرى وطني كله فيه، وطناً تصهره النار والمستوطنات والحواجز والجرافات والإعدامات اليومية، أرى شعباً أسطورياً يفيق من الحريق ثم يفيق، وأرى فيه المعلم، لا يزال يرسم بطبشورة دمه وضوح الطريق.
الأستاذ يقول: عيشوا بحب ووحدة وكرامة، هذه الأرض لنا، منذ الخلق حتى النشور ويوم الزلزلة، دمنا هنا، لحمنا وعظمنا وقمحنا، الأستاذ خالد في كل بيت وعقيدة وحقل ومدرسة، في بيوت الفقراء الذين لا يطلبون الخبز وإنما الكرامة.
هل عاد الأستاذ من جحيم السجن إلى أزقة المخيم محمولاً على أوجاعه وابتسامته الدائمة؟ الأستاذ خرج حيّاً، لكن السجن لم يخرج من رئتيه، السجن يلاحقنا في الآفاق وفي داخلنا وأنفاسنا، الأستاذ أطل على مدينة الميلاد مصلوباً، لقد هشموا جسده ولكن روحه لا تعرف المساومة، يمشي ويمشي إلى باب المغارة، إلى الحمامة الجريحة، يتبع دمه وخطواته، يدله اليسوع على بوابة السماء، مفتوحة من القدس إلى غزة الذبيحة.
الأستـاذ خالـد:
لا أطلب منك أن تذهب معي الآن إلى مؤسسة إبداع لنحتقل بتخريج أطفال الروضة، أو لنكرم المبدعين كما تعودنا في كل شهر رمضان، لا أطلب منك أن تذهب معي إلى مقبرة الشهداء كما تعودنا في كل عيد، لنضع الزهور ونقرأ الفاتحة، لا أطلب منك أن نزور بيت المرحومة فاطمة الجعفري كما تعودنا في ذكرى إضراب ملحمة سجن نفخة ونحيي ذكرى الشهيد علي الجعفري، لا أطلب منك أن نذهب إلى قبر أم نضال أبو عكر التي توفيت وأنت بالسجن لتعتذر لها لعدم مشاركتك في الجنازة، لا أطلب منك أن نناقش رواية أو كتاب كما تعودنا كل يوم أربعاء، لا طلب منك أن تذهب معي إلى قهوة الغلابا في المخيم كما تعودنا، ونحن نراقب زحف المخيم إلى أبعد مما أراده المحتلون من انتظار، لافتات تحمل أسماء القرى المهجرة، وحارات تسمى بأسماء هذه القرى المنكوبة ولا تنسى، لا أطلب منك أن نذهب إلى بيت جالا لنطلب الشفاعة من الزيتون الذي جففته الإبادة هذه السنة، لا أطلب منك أن نذهب إلى قرية الولجة مسقط رأسك كما تعودنا لنشرب من عين الحنية وينابيعها المصادرة، لا أطلب منك أن نذهب إلى مسرح بوتين لنشاهد فرقة إبداع للدبكة، أطلب منك أن تكون قويا كهذا المخيم وتلك القصيدة: قصيدة خليل زقطان وسميح فرج ومحمد أبو لبن وعيسى العزة وخليل توما ورشاد ابو شاور وسامي عوض الله، رائحة الثورة والصبار والحب والصمود، أن تتنفس بصعوبة كتلك الكلمات المتمردة، لا باس أن تعلمنا دون درس: الحرية لا تقاس بالقدرة على الوقوف، وانما بالقدرة على عدم الانكسار.
الأستاذ في الكتاب المقدس، شعب يحيا ويموت ولا يفنى، قال الأستاذ وهو يكتب في الزنزانة لاهوتا ويشق طريقه في الكون، قرأ التلاميذ على اللوح: افتحوا الحقائب، هنا القلم والحجر والجرس والتاريخ والمظاهرة والذاكرة.
خالــد:
لا تنظر إليّ
لا تنظر إليّ
فأنا خائف أن أرى في عينيك
ما لا تحمله اللغة بين ناظريك،
في عينيك
أسئلة بلا علامات استفهام،
دهشة من نجا ولا يعرف لماذا نجا.
حزن لا يطلب عزاء،
ودمع لا يسقط من مقلتيك
^^^^^^
خالد لا تنظر إلي
لأنني حين أراك،
اشعر أن الحرية كلها خرجت معك،
وهي تتكئ على كتفيك.
^^^^^^
حرية مرهقة ومتعبة،
تسعل من طول الانتظار،
والعالم ينظر إليك
^^^^^^
أخاف أن أراك على هذا السرير،
فتفضح نظرتك هشاشتي،
أنابيب وأدوية وجسد نحيف،
أخاف على نفسي وعليك.
^^^^^^
كيف يتسع قلبك لكل هذا الألم؟
ولا ينطفئ،
كيف حافظت على اسمك؟
وقد سلبوا كل ما لديك
^^^^^^
اقترب يا خالد،
لكن أن نظرت إلي، فلتكن نظرتك رحيمة،
فأنا أحاول أن أستقبل حريتك،
واقفاً على قدميك.







