لا تقتصر المخاوف التي تعيشها عائلات ثلاث أسيرات فلسطينيات حوامل على مصير بناتهن داخل السجن، بل تمتد إلى أجنة تنمو خلف القضبان، في غرف مكتظة، وسط نقص الغذاء وغياب المتابعة الطبية المنتظمة، واقتحامات ليلية ترافقها القنابل الصوتية والكلاب البوليسية.
تحتجز قوات الاحتلال الصهيوني ثلاث أسيرات حوامل في سجن الدامون، هن أمينة الطويل من قلقيلية، ودانا جودة من نابلس، ومنار إبراهيم من رام الله، في وقت تشير فيه أحدث المعطيات المنشورة إلى ارتفاع عدد الأسيرات الفلسطينيات إلى 99 أسيرة.
ووفق معطيات نادي الأسير الفلسطيني، فإن أمينة الطويل، وهي أم لأربعة أطفال، ودانا جودة، أم لطفل، ومنار إبراهيم، أم لطفلين، يواجهن الحمل داخل السجن في ظل ظروف صحية ومعيشية قاسية. وبذلك، تترك الأسيرات الثلاث سبعة أطفال خارج السجن، فيما تنمو ثلاثة أجنة في بيئة احتجاز تفتقر، بحسب الشهادات الحقوقية، إلى الرعاية الطبية والتغذية المناسبة.
ولا تمثل الحالات الثلاث معاناة منفصلة عن الواقع العام للأسيرات. فبحسب نادي الأسير، اعتقلت قوات الاحتلال أكثر من 770 امرأة فلسطينية منذ بدء الحرب على قطاع غزة، دون أن يشمل هذا الرقم النساء اللواتي اعتُقلن من القطاع ويقدر عددهن بالعشرات. كما تضم قائمة الأسيرات أربع طفلات، وأسيرتين مصابتين بالسرطان، فيما يزيد عدد الأمهات المعتقلات على 40 أسيرة.
أمينة الطويل 25 يومًا في زنزانة تحت الأرض
اعتُقلت أمينة شاهر الطويل من بلدة كفر ثلث في محافظة قلقيلية فجر 18 مارس 2026. كانت قد أعدت السحور لأطفالها قبل أن تقتحم قوات الاحتلال منزلها وتقتادها إلى الاعتقال.
في شهادة خاصة لمؤسسة العهد الدولية، تستعيد أمينة لحظات الاعتقال الأولى، وتقول إن صورة أطفالها وهم يبكون ويطلبون منها ألا تذهب ما تزال ترافقها.
بعد الاعتقال، نُقلت أمينة إلى مركز تحقيق الجلمة، حيث أمضت 25 يومًا داخل زنزانة انفرادية تحت الأرض، وفقدت خلال تلك الفترة نحو تسع كيلوغرامات من وزنها، قبل أن تنقل إلى سجن الدامون.
تقول أمينة إنها محتجزة في غرفة لا تتجاوز مساحتها أربعة أمتار في أربعة، وتضم ست أسيرات بدلًا من اثنتين. الحمام موجود داخل الغرفة دون باب، فيما تبقى النوافذ مغلقة، فتنتشر الرطوبة والروائح والبخار في المكان.
وفي شهادة نقلها المحامي حسن عبادي في زيارته للأسيرة امينة الطويل «من يوم ما جيت صار ست قمعات مع قنابل صوتية، من قوة الصدى لقيت حالي بآخر الغرفة. العقوبات متكررة، والقمعات فيها صراخ ومسبات، وبجبروا البنات يركعوا على الأرض».
تقول أمينة إن الطعام المقدم لا يتناسب مع احتياجاتها خلال الحمل، وإنها تحتاج إلى الشوربات والخضروات والأغذية المناسبة، لكنها غير متوفرة.
كما تكشف شهادتها عن تفاصيل الحياة اليومية داخل القسم، فقد صودرت ملابسها عند الاعتقال، قبل أن تمنحها الأسيرات ملابس للصلاة ويقمن بتعديلها لتناسبها، فيما تتناوب مع أسيرة أخرى على استخدام تنورة واحدة للصلاة والخروج إلى ساحة السجن.
وتعاني أمينة، وفق شهادتها، من تشنجات وتجلطات. وبعد أن طلبت إجراء فحص للحمل، انتظرت أسبوعًا قبل إبلاغها بالنتيجة، وتقول إن وتيرة التحقيق معها ازدادت بعد تأكيد حملها، وأصبحت تستدعى للتحقيق بصورة يومية.
دانا جودة حمل معقد ورعاية غائبة
في السجن نفسه توجد الأسيرة دانا عناد جودة، من بلدة عراق التايه في نابلس، وهي أم لطفل. اعتُقلت في نيسان 2026، قبل أن تحولها سلطات الاحتلال إلى الاعتقال الإداري لمدة ستة أشهر.
وبحسب رواية عائلتها، سبقت الاعتقال ضغوط وتهديدات استهدفتها وأسرتها لدفعها إلى تسليم نفسها. وبعد احتجازها، أمضت أسبوعًا في التحقيق والعزل عن العالم الخارجي، دون أن تعرف عائلتها عنها شيئًا، قبل أن يسمح لها باتصال قصير لم يتجاوز دقيقتين.
داخل السجن اكتشفت دانا حملها، لكن وضعها الصحي يتطلب رعاية خاصة، إذ كانت قد أجرت عملية قص معدة قبل اعتقالها، ما يجعلها بحاجة إلى نظام غذائي خاص وفيتامينات ومتابعة طبية منتظمة.
وفي شهادة نقلتها مؤسسة صابرون لشؤون الأسرى عقب زيارة المحامي حسن عبادي، تتحدث دانا عن نقص الطعام وتأثيره عليها رغم حملها:
«الأكل شحيح، نزل وزني رغم الحمل. أنا وأمينة على تخوت والباقي على الأرض. تسنيم وليان بعطونا أكلهن لأنهن مروحات قريب».
وتقول إن الطعام المقدم للأسيرات يقتصر أحيانًا على العدس أو الحمص المسلوق، وهو طعام لا يتناسب مع احتياجاتها الصحية والغذائية.
وتكشف دانا أنها فقدت الوعي خلال إحدى عمليات القمع التي استخدمت فيها القنابل الصوتية، وأن الاستجابة لحالتها اقتصرت على رفع ساقيها ومحاولة إعطائها الماء.
وتقول: «طلبت صورة للجنين بسبب وضعي الصحي ورفضوا. بدنا يزيدوا لنا الأكل للحوامل، بدنا شوربات».
كما تتحدث دانا عن نقلها إلى محكمة سالم ووضعها بمفردها في غرفة صغيرة مغلقة، وتقول إنها تعرضت للسحب والجر قبل أن تفقد الوعي.
أما منار إبراهيم، ثالثة الأسيرات الحوامل، فقد اعتُقلت في 30 نيسان 2026. ووفق نادي الأسير، فهي من رام الله، تبلغ من العمر 28 عامًا، وأم لطفلين، ولا تزال موقوفة على خلفية ما تصفه سلطات الاحتلال بتهم تتعلق بـ «التحريض» عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
وتشير معطيات نادي الأسير إلى أن الحوامل الثلاث لم يستثنين من السياسات المفروضة على بقية الأسيرات، بما فيها نقص الطعام وعمليات القمع والتنكيل والضغط النفسي، رغم احتياجاتهن الصحية الخاصة.
الدامون كما ترويه الأسيرات
لا يمكن فصل أوضاع الحوامل الثلاث عن الواقع العام داخل سجن الدامون، حيث تكشف شهادات جمعتها مؤسسة صابرون خلال الزيارات القانونية في حزيران 2026 عن اكتظاظ متزايد، ونقص حاد في الطعام، ونوم بعض الأسيرات على الأرض، إلى جانب عمليات قمع واقتحامات متكررة.
وتقول الأسيرة جنى أبو وردة، في شهادة نقلها المحامي حسن عبادي، إن إحدى عمليات القمع بدأت قرابة الساعة الحادية عشرة ليلًا بإطلاق قنابل صوتية قرب الغرف، قبل دخول القوات وإخراج الأسيرات إلى الساحة بمرافقة الكلاب البوليسية، وإجبارهن على الاستلقاء على بطونهن.
كما تشير إلى نقص مواد النظافة والاحتياجات الشخصية، وإلى أن زيادة أعداد الأسيرات لم يرافقها تحسن في كمية الطعام أو الخدمات المقدمة لهن.
وتقدم الأسيرة نيفين عبد الله صورة مشابهة. تقول إن أربع أسيرات في غرفتها ينمن على الأرض، وإنها فقدت عشرة كيلوغرامات من وزنها، فيما لا تحصل في عيادة السجن على العلاج الذي تحتاجه.
وبحسب شهادتها، شهد القسم 21 عملية قمع منذ وصولها، تضمنت عمليات تفتيش مهينة وإخراج الأسيرات مكبلات الأيدي والأرجل، وإجبارهن على الاستلقاء أرضًا، إلى جانب استخدام القنابل الصوتية والكلاب البوليسية.
وتتقاطع هذه الشهادات مع معطيات مؤسسات الأسرى التي تشير إلى تصاعد عمليات القمع داخل أقسام الأسيرات خلال الأشهر الأخيرة، في وقت لا تستثنى فيه الحوامل من هذه الإجراءات رغم المخاطر التي قد تترتب على تعرضهن للخوف الشديد والإجهاد الجسدي ونقص التغذية والرعاية الطبية.
حمل وولادة خلف القضبان ذاكرة لم تنته
ليست تجربة الحمل داخل السجون الصهيونية جديدة على الأسيرات الفلسطينيات. فقد سبقت الحالات الحالية تجارب لأسيرات أمضين أشهر الحمل داخل السجن، وبعضهن وضعن أطفالهن خلال فترة الاعتقال.
في عام 2005، اعتُقلت الأسيرة السابقة سمر صبيح وهي في بداية حملها. وبعد أشهر من الاعتقال وضعت طفلها براء بعملية قيصرية، وتحدثت في شهادات لاحقة عن نقلها إلى المستشفى مكبلة، وعن ظروف قاسية رافقت الحمل والولادة.
عاش براء مع والدته داخل السجن نحو عامين، قبل أن يخرج برفقتها. وتحدثت صبيح لاحقًا عن حاجة طفلها إلى وقت للتكيف مع العالم الخارجي، بعد أن أمضى سنواته الأولى في بيئة مغلقة خلف القضبان.
وتكررت التجربة مع الأسيرة المحررة فاطمة الزق، التي اعتُقلت عام 2007 أثناء خروجها من قطاع غزة، ثم اكتشفت حملها داخل السجن.
أنجبت فاطمة طفلها يوسف خلف القضبان عام 2008، وعاش معها في السجن حتى الإفراج عنهما في تشرين الأول 2009، ضمن صفقة أفرج خلالها عن 20 أسيرة فلسطينية.
وتحدثت فاطمة في شهاداتها عن ظروف الحمل والولادة والخوف الذي رافقها على مصير طفلها، فيما تحول يوسف إلى جزء من الحياة اليومية للأسيرات اللواتي شاركن والدته الاعتناء به واللعب معه.
وبعد نحو 17 عامًا من ولادته خلف القضبان، استشهد يوسف الزق في 12 تموز 2025، إثر قصف صهيوني استهدف شقة عائلته في مدينة غزة.
تمنح هذه التجارب التاريخية بعدًا إضافيًا لحالات أمينة ودانا ومنار. فبعد أكثر من عقدين على تجربة سمر صبيح، ونحو 18 عامًا على ولادة يوسف الزق داخل السجن، ما تزال أسيرات فلسطينيات يخضن تجربة الحمل في ظروف تثير مخاوف جدية بشأن صحتهن وسلامة أجنتهن.
حماية قانونية خاصة وواقع مختلف خلف القضبان
يمنح القانون الدولي الإنساني النساء الحوامل حماية خاصة، ويلزم بتوفير الرعاية الطبية والغذائية الملائمة لهن، ومعاملتهن بما يتناسب مع احتياجاتهن الصحية.
كما تؤكد قواعد الأمم المتحدة لمعاملة السجينات والتدابير غير الاحتجازية للمجرمات، المعروفة بقواعد بانكوك، ضرورة توفير الرعاية الصحية المناسبة للحوامل، والغذاء الكافي، والبيئة الصحية التي تراعي احتياجات الحمل والولادة وما بعد الولادة.
وترى مؤسسة العهد الدولية أن استمرار احتجاز الأسيرات الحوامل في ظروف تفتقر إلى الغذاء المناسب والمتابعة الطبية، وتعريضهن لعمليات القمع والترهيب والضغط النفسي، يشكل خطرًا مباشرًا على سلامتهن وسلامة أجنتهن، ويستدعي تدخلًا دوليًا عاجلًا للضغط من أجل توفير الحماية والرعاية الصحية اللازمة لهن، والعمل على الإفراج عنهن.
وتؤكد المؤسسة أن قضية الأسيرات الحوامل لا يمكن اختزالها في ثلاث ملفات اعتقال منفصلة، إذ تعكس شهاداتهن واقعًا أوسع تعيشه الأسيرات الفلسطينيات، في ظل الاكتظاظ ونقص الغذاء والعلاج وعمليات القمع المتكررة.
خلف جدران الدامون، تنتظر أمينة الطويل ودانا جودة ومنار إبراهيم مصيرًا لا يتعلق بهن وحدهن. سبعة أطفال ينتظرون عودة أمهاتهم إلى بيوتهم، وثلاثة أجنة تبدأ حياتهم في مكان لا تصل إليه العائلة، ولا تتوفر فيه، وفق شهادات الأسيرات ومؤسسات الأسرى، أبسط متطلبات الحمل الآمن.
وبين التجارب السابقة لسمر صبيح وفاطمة الزق، والواقع الذي تعيشه الحوامل الثلاث اليوم، يبقى السؤال قائمًا: كم مرة يجب أن تبدأ حياة طفل فلسطيني خلف القضبان، قبل أن تتحول حماية الأسيرات الحوامل من مطلب حقوقي متكرر إلى تحرك دولي فعلي يضمن سلامتهن وسلامة أجنتهن؟







