التّحـــوّلات الجيـو-استراتيجيـــة تفـرض التّواصـل والتّعاون البينـي
كشفت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، كرستينا جيورجيفا، خلال الندوة رفيعة المستوى “شمال إفريقيا، ربط القارات وخلق الفرص” أن تعزيز الاندماج الاقتصادي بين الشمال والجنوب يمكن أن يرفع الاستثمارات بنسبة 16 %، والناتج المحلي الإجمالي بنسبة 7 %، أي ما يعادل نحو 67 مليار دولار.
تشمل الاستثمارات العديد من مجالات التصنيع التي تعالج المواد الأولية أو السلع الوسيطة القادمة من إفريقيا جنوب الصحراء، أو مشاريع البنية التحتية المشتركة، مثل السكك الحديدية العابرة للأقاليم، أو منصات الربط الرقمي. بالإضافة إلى تطوير مشاريع هجينة تجمع بين الطاقة الشمسية والغاز في الصحراء، وتوسيع الربط الكهربائي مع أوروبا وتصدير الهيدروجين الأخضر، وهي المشاريع التي برزت الجزائر من خلالها كرائد طاقوي نجح في الموازنة بين الطاقات المتجددة والتقليدية.
وأوضحت المدير العامة لصندوق النقد الدولي كريستينا جيورجيفا، لدى تدخلها خلال الندوة رفيعة المستوى، أنّ العالم يعيش اليوم على وقع توترات جيوسياسية، تعاد خلالها هيكلة التدفقات التجارية والمالية، كما تعاد صياغة سلاسل الإمداد، وتهندس من جديد أنظمة الطاقة. وقالت “أن ذلك يحدث في وقت تغير فيه التطورات التكنولوجية، ولا سيما الذكاء الاصطناعي، وبسرعة لافتة، طريقة عمل ومعيشة وتفاعلِنا مع بعضنا البعض، وهو ما يرفع من نسبة عدم اليقين في ظل التحولات العميقة، وأن يصبح هذا الوضع هو القاعدة الجديدة، ما يجعلنا نحتاج، أكثر من أي وقت مضى، إلى التعاون، وإلى بناء جسور التواصل فيما بيننا”.
في هذا الصدد، أكّدت كرستينا جيوجيفا أنّ شمال إفريقيا منطقة تزخر بفرص هائلة، بحكم موقعها الجغرافي الذي حباها الله به، حيث تشكل جسرا طبيعيا بين أوروبا وبقية القارة الإفريقية. فالتجارة والاندماج الاقتصادي يملكان فيها إمكانات ضخمة، إلى جانب تاريخ طويل من الروابط الاقتصادية ومسارات التجارة وتدفقات الاستثمار، وهو ما لا يعتبر بالجديد، حسبها، بل الجديد هو أن دور هذا الاندماج بات اليوم أكثر أهمية من أي وقت مضى.
موارد كبيرة وشراكات واسعة
وأبرزت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، أنّ توقيع اتفاقية منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية، باعتبارها أحد المحركات الأساسية للاندماج في القارة، وعنصرا فاعلا في تمكين إفريقيا من الاضطلاع بدور أكبر، ليس فقط لصالح شعوبها، بل أيضا في علاقتها مع أوروبا. وفي رسالة واضحة شدّدت كرستينا جيورجيفا على ضرورة تسريع وتيرة هذا الاندماج اليوم، خاصة وأن أوروبا تسعى إلى توسيع شراكاتها الاستراتيجية، وإفريقيا تبحث عن سبل لتثمين إمكاناتها الهائلة ومواردها الواسعة ورأس مالها البشري.
وتتوفّر شمال إفريقيا على فرص كبيرة للاستثمار والشراكة، سواء في مجالات التصنيع التي تعالج المواد الأولية أو السلع الوسيطة القادمة من إفريقيا جنوب الصحراء، أو في مشاريع البنية التحتية المشتركة، مثل السكك الحديدية العابرة للأقاليم، أو في منصات الربط الرقمي.
في السياق، أشارت المتحدثة أنّه يمكن لهذه الشراكات أن تطلق اقتصاديات كبيرة الحجم، وتحسّن الكفاءة اللوجستية عبر القارة بأكملها، موضحة أن قطاع الطاقة يمثّل مثالا قويا على ذلك. فبفضل وفرة الموارد الطاقوية، من النفط والغاز إلى الطاقة الشمسية والرياح، يمكن لشمال إفريقيا أن يمد الصناعات بالطاقة محليا وخارجيا، وأن يدعم الانتقال الطاقوي في أوروبا، وأن يساهم في تقليص فجوة الكهرباء في إفريقيا. بالمناسبة، ذكرت المتحدثة أن نحو 600 مليون شخص في إفريقيا جنوب الصحراء لا يزالون، حتى اليوم، يفتقرون إلى الحصول على الكهرباء، وهي خدمة يعتبرها معظم سكان العالم أمرا بديهيا -حسبها –
الإنسان..المورد الأهم والاستثمار الأضمن
بالمقابل أشارت مديرة صندوق النقد الدولي إلى إمكانية تسريع نقل التكنولوجيا بين المناطق. وقد قدّمت في ذلك مثالا عن الجزائر، التي أبانت عن نموذج رائد بفضل ميزتها المزدوجة في مجال الطاقة، من خلال تطوير مشاريع هجينة تجمع بين الطاقة الشمسية والغاز في الصحراء، وتوسيع الربط الكهربائي مع أوروبا، ودراسة إمكانات تصدير الهيدروجين الأخضر. من جهة أخرى اعترفت المتحدثة أن التحدي الأكبر يتمثل في ضعف كفاءة اللوجستيات، والحاجة إلى بيئة أعمال وتنظيمات واضحة وقابلة للتنبؤ، إضافة إلى حوكمة قوية، وهي كلها عناصر أساسية لجذب الاستثمارات وتعزيز الصادرات. كما تطرّقت ذات المتحدثة إلى ضرورة تحديث الموانئ والأنظمة الجمركية، والاستثمار في الممرات العابرة للحدود، مثل طريق الجزائر – لاغوس وطريق القاهرة – داكار، ممّا سيساهم – وبشكل كبير – من الربط الإقليمي.
ولكي تزدهر محرّكات النمو الجديدة، أكدّت المتحدّثة على ضرورة جعل المنطقة فضاء تتحرك فيه السلع والخدمات ورؤوس أموال بحرية أكبر، وتزدهر فيه الأعمال والاستثمارات. في هذا الإطار، شدّدت ذات المتحدثة على ضرورة التركيز على أهم مورد تملكه المنطقة، والمتمثل في الإنسان. فشمال إفريقيا يزخر برأس مال بشري قوي، بل ويصدّر الكفاءات، ما يبرز الحاجة إلى تطوير مهارات أكثر ملاءمة لاقتصاد المستقبل، وإلى توفير فرص أوسع لاستثمار هذه الطاقات البشرية داخل المنطقة
إصلاحات تثمر مكاسب
بالمقابل أشارت المتحدّثة إلى المكاسب المحتملة لهذه الإصلاحات، حيث كشفت أنّ تعزيز الاندماج يمكن أن يرفع الاستثمارات بنسبة 16 %، والناتج المحلي الإجمالي بنسبة 7 %، أي ما يعادل نحو 67 مليار دولار. وهي مكاسب من شأنها تحسين رفاه الشعوب، كما ستعود بفوائد ملموسة على إفريقيا جنوب الصحراء وأوروبا على حد سواء، من خلال تعزيز المشاركة في سلاسل الإمداد، وزيادة الاستثمارات، وتحقيق قدر أكبر من المرونة والنمو في المناطق المتجاورة. وختمت جيورجيفا مداخلتها بكلمة مأثورة تفيد أن “يد واحدة لا تصفّق”. وهي استعارة معبّرة عن أولوية اليوم، فالتعاون، حسبها، في زمن التحولات العميقة، ليس خيارا بل ضرورة.



