مكانة حضارية لبلادنا ودورها هام كوسيط وكرائد سلام
مشتة لـ «الشعب»: تموقع جزائري محسوب في لحظة دولية حاسمة
بدأت الجزائر التحضير لزيارة بابا الفاتيكان ليون الرابع عشر، منتصف أفريل المقبل، وهو الحدث البارز التي تفاعلت معه وكالات الأنباء الدولية، كونه الأول من نوعه في تاريخ العلاقات الثنائية بين الجزائر الفاتيكان، ونظرا للارتباط الروحي والعقائدي للبابا بالقديس أوغسطين رمز التراث الحضاري في شمال إفريقيا.
سلط إعلان دولة الفاتيكان، عن زيارة البابا ليون الرابع عشر، الجزائر، ضمن جولة أوروبية وإفريقية، الضوء على المكانة الحضارية للجزائر ودورها الهام كوسيط وكرائد سلام، على أكثر من صعيد.
إذ تعتبر الجزائر الجسر الذي يربط أوروبا بإفريقيا، وأحد رموز البحر الأبيض المتوسط، إلى جانب كونها دولة محورية في صناعة السلم والأمن الإقليميين. أما فيما يتعلق بالزيارة تحديدا، فإنها ستكون وخلال ثلاثة أيام، نقطة التقاء بين العالمين الإسلامي والمسيحي، وأرض تناقش عليها مواضيع وقضايا العالم بما يفضي إلى تعزيز قيم التسامح والحوار.
ولأول مرة، منذ قيام العلاقات الثنائية بين الجزائر والفاتيكان سنة 1972، يقوم البابا الذي يمثل 1.5 مليار مسيحي عبر العالم، بزيارة من هذا النوع، لذلك فهي تحظى بمتابعة دقيقة من قبل المراقبين.
وفي السياق، يرى الأستاذ بالمدرسة العليا للأساتذة ياسين مشتة، أن دعوة رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، لقداسة البابا ليون الرابع عشر لزيارة الجزائر لا يمكن قراءتها في إطار ديني صرف أو بروتوكولي محدود، بل تندرج ضمن رؤية استراتيجية شاملة تعكس وعيا عميقا بطبيعة التحولات الجيوسياسية التي تعرفها القارة الإفريقية وحوض البحر الأبيض المتوسط، وتكشف عن تموقع جزائري محسوب في لحظة دولية تتسم بإعادة تشكيل موازين القوى.
وأوضح الأستاذ مشتة، لـ «الشعب» أن الجزائر، بحكم موقعها الجغرافي وثقلها التاريخي والسياسي، تمثل بوابة أساسية نحو منطقة الساحل الإفريقي، لاسيما تجاه دول مالي والنيجر وبوركينافاسو، وهي منطقة تواجه تحديات أمنية وتنموية معقدة تستدعي مقاربات متعددة الأبعاد. وأكد أن الجزائر لم تعتمد يوما مقاربة أمنية صرفة في تعاملها مع أزمات الساحل، بل حرصت على الجمع بين البعد الأمني والبعد التنموي، مرفقة ذلك بخطاب ديني معتدل يسعى إلى تحصين المجتمعات من الانزلاق نحو التطرف.
وأشار المتحدث إلى أن الفاتيكان، بما يمثله من مرجعية روحية عالمية، يمتلك تأثيرا معنويا واسعا داخل القارة الإفريقية، حيث يشكل الحضور المسيحي ثقلا ديمغرافيا وثقافيا في عدد معتبر من دولها، الأمر الذي يمنح لأي تقارب جزائري ـ فاتيكي دلالات تتجاوز الرمزية البروتوكولية.
واعتبر أن هذا التقارب يفتح المجال أمام تنسيق غير مباشر في ما يتعلق بترقية ثقافة السلم والحوار ومكافحة خطاب الكراهية، خاصة في فضاء إفريقي تتشابك فيه العوامل الدينية بالرهانات السياسية والاجتماعية.
وأكد الأستاذ مشتة أن الجزائر، التي عانت من آفة الإرهاب في تسعينيات القرن الماضي، ونجحت في استعادة استقرارها عبر مسار المصالحة الوطنية، تمتلك اليوم شرعية أخلاقية لتقديم تجربتها كنموذج في معالجة الأزمات الداخلية بالحوار والاحتواء بدل الإقصاء. وأضاف أن هذه الخلفية التاريخية تمنح للدعوة بعدا رمزيا عميقا، مفاده أن الجزائر تحولت من ساحة صراع داخلي إلى منصة لنشر ثقافة التعايش.
في سياق متصل، شدد الأستاذ على أن إفريقيا أصبحت خلال السنوات الأخيرة ساحة تنافس محتدم بين قوى دولية كبرى، من أوروبا إلى روسيا والصين والولايات المتحدة الأمريكية، وهو ما يجعل من الضروري بالنسبة للدول المحورية في القارة الحفاظ على استقلالية قرارها السيادي.
مبدأ التوازن في العلاقات الدولية
وأوضح أن انفتاح الجزائر على الفاتيكان يعكس تموقعا ذكيا يكرس صورتها كدولة لا تنخرط في سياسة المحاور، بل تعتمد مبدأ التوازن في علاقاتها الدولية.
وفي قراءته للبعد الأوروبي، أكد الأستاذ مشتة أن الجزائر تعد شريكا محوريا لأوروبا في ملفات إستراتيجية، على غرار الهجرة والطاقة والأمن الإقليمي، مشيرا إلى أن أي تقارب رمزي مع الفاتيكان يشكل رسالة موجهة إلى العواصم الأوروبية مفادها أن الجزائر ليست مجرد مزود للطاقة، بل دولة استقرار وانفتاح، وشريك حضاري قادر على الإسهام في إعادة بناء الثقة بين ضفتي المتوسط.
وأضاف المتحدث أن تموقع الجزائر في قلب الحوض المتوسطي يمنحها دورا محوريا في ترسيخ فكرة المتوسط كفضاء لقاء، لا ساحة صدام بينهما، فالزيارة إن تجسدت، ستكرس صورة الجزائر كجسر تواصل بين إفريقيا وجنوب الصحراء وأوروبا، وتعيد التأكيد على أن الحوار الديني يمكن أن يكون رافعة للاستقرار السياسي.
كما أبرز الأستاذ أن من بين الجوانب التي قد لا ينتبه إليها بعض المحللين، البعد المتعلق بالقوة الناعمة للدولة الجزائرية، فالنفوذ في السياق الدولي المعاصر، كما أوضح، لا يقاس فقط بمؤشرات الاقتصاد والدفاع، بل كذلك بمدى القدرة على التأثير الرمزي وصناعة صورة إيجابية في الوعي الدولي.
واستقبال مرجعية دينية عالمية بحجم البابا يعزز هذه الصورة، ويؤكد أن الجزائر قادرة على احتضان مبادرات كبرى للحوار بين الأديان والثقافات. وفي زاوية أخرى، أشار الأستاذ مشتة إلى البعد الداخلي لهذه الدعوة، معتبرا أنها تعكس ثقة الدولة في تماسك جبهتها الداخلية واستقرارها المؤسساتي.
كما اعتبر محدثنا أن هذه المبادرة تحمل رسالة إلى الجاليات الإفريقية والمغاربية المقيمة في أوروبا، إذ تؤكد أن الجزائر تتبنى خطابا يقوم على نبذ منطق الصدام الحضاري، وتدافع عن فكرة التعايش الإيجابي بين المرجعيات الدينية المختلفة. وهذا البعد، برأيه، يعزز الدور الثقافي للجزائر ويمنحها مكانة خاصة في النقاشات المرتبطة بالهجرة والاندماج.
ولم يغفل الأستاذ مشتة، الإشارة إلى البعد التاريخي للعلاقات بين الجزائر والعالم، مذكرا بأن الفضاء المتوسطي عرف عبر قرون طويلة أشكالا متعددة من التفاعل الحضاري والثقافي، وأن الجزائر بحكم تاريخها العريق كانت دائما جزءا من هذا الحراك، وعليه فإن أي زيارة من هذا المستوى تعيد إحياء هذا البعد الحضاري في إطار معاصر يقوم على الاحترام المتبادل.
وتابع الأستاذ قائلا « دعوة البابا إلى زيارة الجزائر تحمل أبعادا متداخلة، إفريقية وأوروبية ومتوسطية، وتعكس إرادة سياسية واضحة لترسيخ صورة الجزائر كقوة اعتدال وفاعل دبلوماسي مستقل. فهي، كما أكد، ليست مجرد مبادرة بروتوكولية، بل رسالة استراتيجية تؤكد أن الجزائر تتحرك بثقة في فضاء دولي معقد، مستندة إلى استقرارها الداخلي، وعمقها الإفريقي، وانتمائها المتوسطي، ومتمسكة في الوقت ذاته بسيادتها وخياراتها الوطنية».




