تتغير ملامح الحياة اليومية بمدينة سكيكدة الساحلية، خلال شهر رمضان، وتظهر عادات وطقوس يرتبط بها السكان منذ سنوات طويلة، من بينها هواية الصيد بالصنارة التي تتحول خلال الفترة الممتدة بين العصر والمغرب إلى نشاط يستقطب أعدادا معتبرة من الشباب والكهول على حد سواء، ففي وقت تميل فيه شوارع المدينة إلى الهدوء النسبي خلال ساعات ما قبل الإفطار، تنبض شواطئها بالحركة، حيث يقصد العشرات من الهواة مختلف النقاط الساحلية حاملين معدات الصيد، بحثا عن لحظات من المتعة والهدوء على وقع أمواج البحر.
على طول الواجهة البحرية للمدينة، خاصة على مستوى كورنيش سطورة والجهة الشرقية الممتدة نحو طريق الماعز وصولًا إلى شاطئ العربي بن مهيدي، يصطف الصيادون الهواة في مشهد بات مألوفا لدى سكان المدينة، إذ تتوزع الصنارات على امتداد الصخور والرمال، فيما تنساب الخيوط في المياه في انتظار ما قد تعلق بها من أسماك، ولا يقتصر الأمر على مجرد محاولة اصطياد السمك، بل يتحول بالنسبة للكثير من الممارسين إلى لحظات استجمام وتأمل بعيدًا عن ضغط الحياة اليومية، حيث يجد الصائمون في نسيم البحر العليل ومشهد الأفق المفتوح متنفسًا طبيعيًا يساعدهم على قضاء الساعات الأخيرة من الصيام في أجواء هادئة.
ويلاحظ المتتبع لهذا النشاط أن ذروته تكون غالبا بعد صلاة العصر، حين تتوافد مجموعات من الشباب إلى المواقع المعروفة لدى الصيادين الهواة، خاصة المناطق الصخرية التي تعد الأكثر استقطابا لهم، لما توفره من فرص أفضل لاصطياد بعض أنواع الأسماك التي تفضل التمركز بالقرب من الشعاب والصخور.
ويختار كل صياد موقعه بعناية، اعتمادا على خبرته أو على نصائح رفاقه، فيما يفضل البعض النزول إلى الشاطئ الرملي وتجربة حظهم هناك، بينما يتجه آخرون إلى النقاط المرتفعة فوق الصخور التي تمنح رؤية أوسع لحركة المياه.
وبمرور الوقت، تتحول هذه الفضاءات إلى أماكن للقاء والتواصل بين عشاق هذه الهواية، حيث يتبادلون الأحاديث حول تجارب الصيد وأفضل الطعوم المستخدمة، إضافة إلى القصص المرتبطة بالمغامرات التي خاضها البعض في البحر.
ويؤكد عدد من الهواة أن الصيد بالصنارة في سكيكدة لا يرتبط بشهر رمضان فقط، بل يمثل نشاطا يمارس على مدار السنة، غير أن خصوصية الشهر الفضيل تمنحه بعدًا مختلفا، إذ يصبح وسيلة لتمضية الوقت بطريقة مفيدة تجمع بين الترفيه والرياضة.
كما يلاحظ أن هذه الهواية تجمع فئات عمرية مختلفة، إذ يمكن أن يقف الشاب إلى جانب الصياد المخضرم الذي جمع سنوات طويلة من التجربة، ما يخلق نوعا من نقل المعرفة الميدانية بين الأجيال، حيث يقدم القدامى نصائحهم حول اختيار المكان المناسب وتوقيت الصيد، وطبيعة الطعم الذي يجذب أنواعًا معينة من الأسماك.
وفي السنوات الأخيرة، ساهم توفر معدات الصيد الحديثة في الأسواق المحلية في زيادة الإقبال على هذه الهواية، حيث أصبحت الصنارات والخيوط والطعوم الصناعية أكثر تنوعًا، ما جعل الصيد بالصنارة نشاطًا في متناول شريحة أوسع من الشباب.
ورغم الطابع الترفيهي الذي يغلب على هذا النشاط، إلا أن العديد من الهواة يؤكدون أهمية الحفاظ على البيئة البحرية واحترام قواعد الصيد المسؤول، من خلال تفادي رمي النفايات في البحر أو اصطياد الأسماك الصغيرة، حفاظًا على التوازن البيئي وضمان استمرارية الثروة السمكية.
ومع اقتراب موعد آذان المغرب، يبدأ الصيادون في جمع معداتهم ومغادرة الشاطئ، بعضهم يحمل حصيلة من الأسماك قد تكون كافية لإثراء مائدة الإفطار، بينما يكتفي آخرون بمتعة الساعات التي قضوها على ضفاف البحر.
وهذه المشاهد اليومية خلال الشهر، تعكس عمق العلاقة التي تربط سكان سكيكدة بالبحر، الذي ظل على مر السنين مصدر رزق وفضاء للترفيه في الوقت ذاته، فيما تظل هواية الصيد بالصنارة إحدى أبرز الممارسات التي تجمع بين البساطة والمتعة وروح المشاركة، في انتظار لحظة الإفطار.






