تعكس أجواء المدن الجزائرية في العشر الأواخر من شهر رمضان مدى تمسّك المواطنين بجملة من العادات والسلوكيات الأصيلة في المجتمع، والتي تعزّز من أواصر الترابط واللُحمة التي نشأ عليها المجتمع الجزائري، حيث تنتشر في هذه الفترة معالم روحانية تزيد من قدسية الشهر الفضيل، تتماشى جنباً الى جنب وفي انسجام تام مع معالم للبهجة تحضيراً لأجواء عيد الفطر.
في هذه الفترة من الشهر المبارك، تمتزج نفحات رمضان مع أجواء العيد، في مشهد يطغى عليه الفرح، وتختلط فيه المشاعر، وتكثر فيه الفعاليات الثقافية، الدينية والمجتمعية.
وتشهد العشر الأواخر من شهر رمضان تغيّراً واضحاً في ملامح الحياة في المدن الجزائرية التي تجد نفسها أمام إيقاع مختلف ومتسارع، حيث تتحوّل السهرات الرمضانية الى مشهد اجتماعي راسخ يجمع بين العبادة والتسوّق، فتنتشر حفلات تكريم حفظة القرآن الكريم تتويجاً لشهر كامل من المسابقات التي احتضنتها المساجد والمدارس القرآنية، الى جانب انتشار محلات بيع الملابس والحلويات التي تكتظ بالعائلات التي تخرج بعد الإفطار لأجل اقتناء ملابس العيد للأطفال والكبار.
لا تقتصر السهرات الرمضانية في هذه الفترة على مظاهر اقتناء ملابس العيد فحسب، بل تمتد لتشمل مظاهر التحضير لعيد الفطر، بين من يفضّل شراءها جاهزة من المحلات، وبين من يرى في السهرات الليلية فرصة للاجتماع على إعدادها في المنزل كما هو الحال في الكثير من مناطق الوطن.
ففي العشر الأواخر من شهر رمضان، تتحوّل بعض البيوت الى خلايا نحل تجتمع فيها النسوة لإعداد ما لذّ وطاب من الوصفات التقليدية، في مشهد يعكس استمرار العادات والتقاليد التي توارثتها الأجيال جيلاً بعد جيل.
لا يكاد الوضع يختلف بولايات الجنوب عن نظيراتها بالشمال فيما يخص أجواء التحضير لعيد الفطر ومعالم الاحتفال بالعشر الأواخر من شهر رمضان، باستثناء بعض التفاصيل الصغيرة التي ترسم أجواءً خاصة للجنوب من ذلك إقبال المواطنين على محلات الملابس التقليدية بدل المحلات العصرية التي تعرض الماركات العالمية، حيث يفضّل مواطنو الجنوب التمسّك باللباس التقليدي الذي يعكس هوية كل منطقة عن أخرى، وكأنه يرسم فسيفساء يوم العيد تجمع كل قطع الموروث الثقافي الجزائري دون أن يطغى أحدها على الآخر.
فالملابس التقليدية بولايات الجنوب لا تزال تحظى بمكانة مقدّسة لدى السواد الأعظم من الشباب، يدفعهم في ذلك حبّهم وتمسّكهم بالهوية المحلية كرمز من رموز الانتماء للوطن، الى جانب وفرة هذا النوع من الملابس وإن كانت في كثير من الأحيان يتم إنتاجها حسب الطلب بسبب غياب المواد الأولية في الأسواق الوطنية.
من جهة أخرى، تفضّل الكثير من العائلات بولايات الجنوب إعداد الحلويات في المنازل ضمن طقوس وعادات تعيد الى الأذهان “التويزة”، حيث تشهد هذه التجمّعات العائلية إعداد أصناف محلية من الحلويات بمكوّنات بسيطة وبكميات معتبرة تحسّباً لتوافد الزوار والأقارب، وقد شهدت السنوات الأخيرة انحصار حضور الحلويات العصرية في موائد العائلات في الجنوب، فاسحةً المجال أكثر للحلويات المحلية التي باتت تعرف رواجاً أكثر من ذي قبل.
بالموازاة مع الحركية الاقتصادية والاجتماعية التي تشهدها المدن الجزائرية، تعمد السلطات الأمنية على ترتيبات ميدانية خاصة خلال العشر الأواخر من شهر رمضان، تهدف الى تأمين المواطنين وممتلكاتهم في الأسواق والفضاءات العامة التي تشهد إقبالاً كبيراً للمواطنين.
وتندرج هذه التدابير ضمن مخططات أمنية وطنية يتم تفعيلها مع اقتراب المناسبات التي تشهد ارتفاعاً في النشاط الليلي، حيث تعمل مختلف الوحدات الأمنية على المستوى الوطني على مرافقة المواطنين، وضمان ظروف ملائمة للتسوق والتنقل بين الولايات إلى غاية ساعات الصباح الأولى.
في السياق ذاته، سطّرت مصالح أمن ولاية تندوف مخططاً أمنياً خاصاً، تضمّن جملة من التدابير والإجراءات الأمنية قصد ضمان تغطية أمنية شاملة، شملت وضع تشكيل أمني بقطاع الاختصاص من خلال اتخاذ وضعيات ثابتة ودوريات راكبة وأخرى راجلة، تعمل على تسهيل انسيابية حركة المرور بمختلف الأحياء والشوارع، مع تأمين المحاور الرئيسية بالطرقات خصوصاً في ساعات الذّروة وقبيل الإفطار.
كما تقوم أيضا بتوعية وتحسيس مختلف سوّاق المركبات من أخطار حوادث المرور خاصة قبيل موعد الإفطار. وتعمل التشكيلات الشرطية في الميدان على ضمان التغطية الأمنية بمختلف قطاع الاختصاص على غرار الأسواق، المساجد، الساحات العمومية، محطّات نقل المسافرين التي تعرف حركية متزايدة خاصةً خلال الأيام الأخيرة من شهر رمضان.
كما وضعت شرطة تندوف أفواجا ميدانية من شرطة البيئة والعمران مدعّمة بتشكيلات أخرى مهمّتها تطهير محيط الأسواق والمساحات العمومية من الباعة غير الشرعيين، مع تكثيف الدوريات لمحاربة ظاهرة الحظائر غير الشرعية، وكذا ردع المخالفين بخصوص التجاوزات المتعلّقة بالصحة العامة.
فيما ستنشط فرق الشرطة القضائية بمختلف تشكيلاتها وبالزيين الرسمي والمدني من أجل تكثيف الدوريات الراكبة والراجلة وتجسيد التواجد الدائم في الميدان لمحاربة كل ما يتعلق بجرائم المساس بالأشخاص والممتلكات وحفظ الأمن والسكينة العامة.
وتعكس الأجواء التي تعرفها المدن الجزائرية خلال هذه الفترة من رمضان تزايد وتيرة النشاط التجاري والاجتماعي، في ظل استعداد العائلات لاستقبال عيد الفطر، حيث تتواصل حركة الأسواق ليلاً بالتوازي مع الإجراءات التنظيمية والأمنية المسخرة لضمان راحة المواطنين وسلامتهم.

