تعتبر ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان المبارك من أهم الليالي المميزة في ولاية سكيكدة، ليس فقط لقيمتها الدينية العالية، بل أيضًا لما تشهده من عادات اجتماعية متوارثة تمثل جسرا بين الماضي والحاضر، وتجسيدا للتماسك الأسري وروح الجماعة، وهو ما يجعلها مناسبة لإبراز الهوية الثقافية والرمضانية للمدينة.
تتميز الليلة بخصوصية كبيرة، إذ تحرص العائلات السكيكدية على إعداد مختلف الأطباق الرمضانية التقليدية والمأكولات الشعبية المميزة، التي لا تخلو منها أي مائدة، مثل القطايف، قلب اللوز، البقلاوة، والمقروط، والتي تعد رموزًا للتراث المحلي وروح الشهر الكريم، وتظل هذه الحلويات والأطباق جزءا من الاحتفال الرمضاني، رغم التغيرات الاجتماعية والتنوع الذي شهدته المدينة خلال العقود الماضية، مما يعكس تمسك العائلات بالعادات والتقاليد التي توارثتها الأجيال.
وعلى الصعيد الديني، تلجأ العديد من الأسر إلى تعزيز الجانب الروحاني لهذه الليلة، حيث يكثر السكان من الذكر، وختم القرآن الكريم، وأداء صلاة التراويح، وهو ما يشكل فرصة للتقرب من الله وتجديد العهد الروحي مع الشهر الفضيل، وفي الوقت نفسه، يتم الجمع بين هذه الطقوس الدينية والجانب الاجتماعي، من خلال اللقاءات العائلية، وتبادل الزيارات بين الأقارب والجيران، وتهيئة أجواء مليئة بالدفء والبهجة.
ومن أهم مظاهر الاحتفال بهذه الليلة في سكيكدة، تشجيع الأطفال على الصيام لأول مرة، وهو تقليد يحرص عليه العديد من الآباء والأمهات كجزء من التربية الدينية والاجتماعية، ويهدف هذا التقليد إلى غرس قيم الصبر والانضباط لدى الأطفال، وتعريفهم بمفهوم الالتزام بالعبادة منذ الصغر، وذلك بطريقة محفزة وإيجابية، من خلال تهيئة أطباق خاصة يحبها الطفل، ومتابعة احتياجاته طيلة فترة الصيام، مع مشاركة الأسرة بأكملها في تشجيعه ودعمه حتى موعد الإفطار.
كما تحرص بعض العائلات على تنظيم مراسم ختان للأطفال في هذه الليلة المباركة، خاصة في ليلة القدر التي يصفها العلماء بأنها خير من ألف شهر، حيث يشارك الأقارب والجيران في الاحتفال، وتُجهز موائد خاصة بالحلوى التقليدية والمأكولات الرمضانية، في أجواء من الفرح والبهجة التي تعكس التقاليد العائلية المتجذرة في المجتمع السكيكدي.
وفي سياق التضامن الاجتماعي، تلعب الجمعيات الخيرية دورا محوريا في إدخال الفرحة على الأطفال والعائلات محدودي الدخل، من خلال تنظيم حفلات جماعية لختان الأطفال بالتنسيق مع المؤسسات الاستشفائية المحلية، مثل مؤسسة عبد الرزاق بوحارة، وتوزيع الهدايا الرمزية عليهم، لضمان مشاركة جميع الأطفال في الاحتفال بهذا الحدث الديني والاجتماعي المميز، وإدخال الفرحة على قلوب الأسر التي لم تسنح لها الظروف المالية لإقامة مراسيم خاصة.
وتشكل هذه الاحتفالات مناسبة لتعزيز الروابط الأسرية والاجتماعية، حيث يتم خلالها التقاء الأجيال المختلفة، وتبادل الخبرات والتقاليد، وإظهار الاحترام للثقافة المحلية، بما يضمن استمرار نقل التراث الرمضاني عبر الأجيال، كما تتيح الفرصة للطفل لعيش تجربة الصيام في أجواء إيجابية مليئة بالحب والدعم الأسري، ما يساهم في ترسيخ قيم الالتزام الديني والانضباط الشخصي منذ الصغر.
وتعكس ليلة السابع والعشرين من رمضان في سكيكدة، بما فيها من طقوس دينية واجتماعية واحتفالات عائلية، التزام المجتمع بالمحافظة على التقاليد الرمضانية المتجذرة، وتجسد روح التضامن، والاهتمام بالجيل الجديد، في وقت يشكل فيه الشهر الفضيل مناسبة للتواصل الأسري والتلاحم الاجتماعي، ولغرس القيم الروحية والاجتماعية في نفوس الأطفال والشباب على حد سواء.







