تشهد منطقة جرجرة خلال شهر رمضان وبالأخص في ليلة السابع والعشرين، أو كما يفضل الجميع تسميتها بليلة القدر، أجواء احتفالية تتسم بعبق العادات والتقاليد التي تتجلى خلالها اصالة المنطقة، حيث تعمد العائلات في مختلف قرى ولاية تيزي وزو الى احياء عادة تصويم الاطفال لأول مرة، وهي عادة توارثتها الاجيال فيما بينها، لتبقي على جسر التواصل الرابط بين الماضي والحاضر.
صيام الاطفال لأول مرة في منطقة جرجرة، ليست مجرد تقليد او لحظة عابرة، وانما هي لحظة إدراك ببلوغ الطفل مرحلة النضج وخروجه من مرحلة الطفولة، هذا الحدث الهام في حياة الاطفال يسجل في ذاكرتهم، من خلال ممارسة مجموعة من الطقوس والعادات، التي يشترك فيها افراد العائلة وحتى الاقارب والجيران، ليتحول هذا الحدث الى حديث الجميع، ويترقبون اذان المغرب للمشاركة في هذه المراسيم التي يحضر لها اياما قليلة قبل بلوغ ليلة القدر.
تصويم الاطفال هي مرحلة انتقالية في حياة اي طفل بمنطقة جرجرة، لهذا يحرص الاهل على اشعارهم بأهمية الصيام لأول مرة في حياتهم، وذلك من خلال الاحتفاء بهذه المناسبة التي تعيد معها ذكريات الاهل الذين يروي كل واحد منهم صيامه الأول، وكيف بقيت تلك الذكريات راسخة في اذهانهم ولم يتمكن الزمن من محوها، ليعود شريط ذكرياتهم الى الواجهة مع مراسيم الاحتفاء بصيام اطفالهم.
تبدأ التحضيرات لصيام الطفل منذ الساعات الاولى لصبيحة اليوم، حيث تعد الام والجدة العدة لتحضير أشهى الاطباق التقليدية والشعبية التي تشتهر بها المنطقة، على غرار “سكسو تاسيلت” أو طبق الكسكس ببعض الخضروات والحبوب الجافة مدهونا بزيت الزيتون، كما جرت العادة في طقوس الاحتفاليات بمختلف المناسبات بقرى المنطقة، كما تقوم الجدة بإحضار التين المجفف او اينيغمان ليكون اول ما يفطر عليه الطفل الصائم، الى جانب تحضير قطعة لحم تخصص للطفل فقط مع البيض المسلوق، وهذا الفطور لا يشاركه فيه اي فرد من افراد العائلة لأنه حضر على اسم الطفل، ولا يمكن لأي شخص اخر تذوقه.
في الوقت الذي تجتمع النسوة في اجواء عائلية لتحضير الافطار تسودها الفرحة والبهجة، خاصة بالنسبة للام التي ترى طفلها يكبر امام عينيها واليوم اول أفراحه كفرد بالغ، يستطيع تحمل المشاق والصبر على الجوع، يتجه الاب الى السوق رفقة ابنه، لاقتناء ملابس جديدة لارتدائها في هذا اليوم المبارك، كما تعطى الحرية للطفل لشراء ما يشتهيه كطريقة لتشجيعه ومساندته لاستكمال صيامه، وتحسيسه بأهمية الصيام وعظمة ما يقوم به، وبعد الانتهاء من التسوق يعود الاب رفقة ابنه الى المنزل، حيث يطلب منه أن يرتاح وينام بعض الوقت، ليستطيع تحمل الصيام الى غاية اقتراب موعد الاذان والافطار، في الوقت الذي تستمر فيه التحضيرات لإحياء هذه العادة المتوارثة والراسخة في أذهان سكان منطقة جرجرة.
الساعات تمر بسرعة وموعد الاذان يقترب، مائدة الافطار حضرت وزينت بأشهى الاطباق التقليدية، ولكن إفطار الطفل الصائم يحمل صورا جميلة قلَّ ما نراها في مناطق اخرى، وهي صور ترتبط بحياة الاسلاف، حيث يعود الحنين الى كل ما هو تقليدي وعتيق، فيقوم الاب بتنظيف سقف غرفة بالبيت العتيق “ثاسقا لجذوذ”، وهي نفسها الغرفة التي تناول على سقفها اول افطار له كطفل صائم، ليستيقظ الحنين والذكريات من اعماق ذاكرته، وهو يرى اليوم ابنه يحذو حذوه، وهو يرتدي الزي التقليدي، ينتظر سماع الاذان ليعتلي اكتاف من اجل الصعود على سقف القرميد لتناول الافطار، كما فعل هو مع والده في سنوات مضت بذات المكان مع اختلاف الزمان.
الدقائق تمر ولم يبق على الاذان الا وقت قصير، والطفل الصائم يسير وسط الحاضرين كعريس يوم زفافه، منتظرا صوت المؤذن واعلاء كلمة الحق، لكسر صيامه كطفل بالغ سيعتمد عليه في المستقبل، فتقوم الام باستدعاء جارتها القريبة من اجل المشاركة في احياء هذه العادة، خاصة وان هناك قرى تطلق فيها النسوة العنان لحناجرهنّ، للتغني ببعض المدائح او ايشويقن فرحا بصيام الطفل، في الوقت الذي يحمله والده على اكتافه لرفعه الى سقف المنزل مع سماع الاذان، فتتقدم الام او الجدة حاملة في يدها كاس ماء فيه قطعة من المجوهرات والحلي الفضية، والتين المجفف ليكسر عليه صيامه وهو فوق السقف، وبعدها يقدم له البيض المسلوق وقطعة لحم، يتناول منها بعض اللقمات فقط مع الكسكس، ليتم انزاله ومواصلة الفطور على مائدة الافطار، التي حجز له مكان عليها لأول مرة في حياته، لان في منطقة جرجرة يمنع الاطفال من الجلوس على مائدة الافطار في حالة عدم صيامهم، وبعد الانتهاء تسلم له بعض الجوائز التحفيزية لتحسيسه بأهمية ما قام به، وعلو مقامه والنقاء والقبول، وهي الدلالة والرمزية التي تحملها هذه الطقوس.
منطقة جرجرة عنوان للأصالة وأجمل العادات والتقاليد، التي ما يزال سكانها متمسكون بها رغم مرور السنوات، حيث تعود الى الواجهة كلما تجدد العهد مع مختلف المناسبات، وهذا ما يعكس جمال هذه القيم الاجتماعية ذات الابعاد الإنسانية.







