لم يكن العيد في غزة يوماً عادياً؛ كان حالةً من الاستنفار الجميل. يبدأ قبل قدومه بأيام، حين تقتحم رائحة كعك العيد المحشو بالمحبة أزقة المخيمات، وتضيق الأسواق بناسها الذين يطاردون الفرح في أثواب جديدة لأطفالهم. كانت الشوارع تضجّ بحياة لا تعرف التعب، وتعلو تكبيرات العيد من المآذن لتصنع سماءً من الطمأنينة، بينما يتسابق الصغار في عدّ “العيدية”، وكأن الفرح موعدٌ مقدس لا يجرؤ أحد على تأجيله.
كان العيد في غزة يشبه كل الأعياد، لكنه كان “أكثر”: صلاةٌ تجمع القلوب، وزياراتٌ لا تنتهي. حتى المقابر كانت جزءاً من طقس الوفاء؛ يزورها الأحياء ليخبروا الراحلين أن الحياة مستمرة، ثم يعودون لبيوتهم ليكملوا نهاراً من الضحكات التي لا تنكسر.
لكن العيد في غزة اليوم.. انكسر، فالأسواق التي كانت تضيق بالمارة وفرح الزحام، تضيق اليوم بالوجوه الشاحبة والخيام. البيوت التي كانت تعجّ بالمهنئين غابت تحت الركام، وطاولات العيد التي كانت تجمع العائلات تفرّق شملها بين نزوح وفقد. اليوم، لا يبحث الأطفال عن “لبسة العيد”، بل يبحثون عن أحذية تصلح للمشي لمسافات طويلة هرباً من الموت، ولا ينتظرون “العيدية” بقدر ما ينتظرون نهاية الخوف.
أما المقابر التي كانت طقساً للزيارة، فقد اتسعت لتشمل الأحياء السكنية والشوارع، حتى بات الفقد في كل زاوية. وفي ظل هذا الوجع، أصبح العيد في غزة اليوم هو “طفل يرتدي قميصاً قديماً بقلبٍ جديد، وأمّ تخبز الصبر بدلاً من الكعك”.
ورغم كل هذا، لا تزال غزة تتذكر العيد جيداً؛ تحفظ نغمات التكبيرات في صدورها، وتخبئ رائحة الكعك في ذاكرة أنوفها. ربما يبدو العيد اليوم أكثر قسوة، لأنه يمرّ على مدينة خبيرة بالفرح، وتعرف تماماً حجم ما فقدته.
العيد في غزة لم يختفِ، لكنه استبدل مظاهره؛ بات يعيش في حكايات الأمهات الصابرات، وفي صمود طفل يبتسم رغم الانكسار. إن الذكريات في غزة ليست مجرد حنين بارد، بل هي وعدٌ خفي بأن هذه الأرض التي عرفت كيف تفرح، ستعرف يوماً كيف تستعيد أعيادها المسلوبة.






