الثـورة الرقميــة فرصـة لتجديــد لغة الفرجـة
يشهد المسرح الجزائري تحوّلات جمالية وفكرية لافتة، تعكس انتقاله من منطق الرسالة المباشرة إلى فضاءات التجريب والمساءلة، بما يواكب التغيرات الاجتماعية والثقافية الراهنة. وفي هذا السياق، توقف الدكتور مراد ترغيني في حواره مع «الشعب» عند أبرز ملامح هذه التحوّلات، متناولا بروز لغة العرض وتراجع مركزية النص، إلى جانب توظيف المرجعيات الثقافية المحلية بروح معاصرة. كما تطرق إلى أثر الوسائط الرقمية في تجديد الفرجة المسرحية، وأهمية تعزيز التكامل بين التكوين الأكاديمي والممارسة الميدانية، وصولا إلى رهانات المستقبل القائمة على مسرح جزائري متجذر الهوية ومنفتح على الأفق الكوني.
– الشعب: كيف تقرأون التحوّلات الجمالية والفكرية التي يشهدها المسرح الجزائري اليوم، وهل استطاع مواكبة التحوّلات الاجتماعية والثقافية التي يعيشها المجتمع؟
الدكتور مراد ترغيني: نشهد في الراهن المسرحي الجزائري انعطافة جوهرية تتجاوز مفهوم «المسرح التحريضي» أو التعليمي الذي ساد لعقود، نحو تجريبية ما بعد حداثية حقيقية.. هذا التحول يعني أن الخشبة لم تعد مجرد منصة لإلقاء الخطب السياسية أو الاجتماعية المباشرة، بل تحولت إلى «مختبر جمالي» يفكك الواقع ويعيد صياغته.. نلمس هذا التطور في تراجع سطوة «النص المكتوب» لصالح «لغة العرض»، حيث أصبح الجسد، الإضاءة، والفراغ هي العناصر التي تصنع المعنى، مما يعكس رغبة المبدع الجزائري في التحرر من القوالب الكلاسيكية الجاهزة.
يتجلى هذا النضج الجمالي في العودة الواعية للمخزون الأنثروبولوجي الجزائري، لا لتقديمه كفلكلور سياحي، بل كفلسفة للحركة والإيقاع. نجد ذلك في استلهام طقوس «السبيبة» من منطقة جانت، حيث تتحول رمزية الصراع والسلام إلى لغة جسدية مكثفة تحاكي الإنسان المعاصر. كما يبرز توظيف إيقاعات «الديوان» كخيار فني وفكري يلامس اللاشعور الجمعي، ويعكس قضايا الهوية والاغتراب والبحث عن الذات في زمن العولمة. إن هذا التزاوج بين التجريب العالمي والجذر المحلي هو الذي منح المسرح الجزائري قدرة على مواكبة تحوّلات المجتمع بعمق فني يتجاوز الطرح المباشر.
– في ظل هيمنة الوسائط الرقمية، هل ما يزال المسرح يحتفظ بخصوصيته كفن حي، أم أنه مطالب بإعادة تعريف أدواته وأساليبه للتواصل مع الجمهور الجديد؟
إن المسرح عبر تاريخه لم يكن بمعزل عن التطور التقني، لذلك لا نرى في الثورة الرقمية تهديدا لحيويته، بل فرصة لتجديد لغة الفرجة. الرهان اليوم ليس في المفاضلة بين الخشبة والشاشة، بل في استيعاب المسرح للغة العصر الرقمي. نحن ندعو إلى «رقمنة الخشبة» بوصفها أداة تعبيرية توسع الخيال المسرحي.
يتجسّد ذلك في السينوغرافيا التفاعلية وتقنية «الخرائط الضوئية «(Video Mapping)، حيث يتحوّل الديكور إلى فضاء ديناميكي يتفاعل مع حركة الممثل. هذه التقنيات تمنح العرض عمقا بصريا جديدا دون أن تفقد المسرح خصوصيته كفن حي. كما أن استهداف «الجمهور الرقمي» يفرض اعتماد لغة بصرية مكثفة، تستثمر في الدهشة التقنية لاستعادة الجمهور إلى قاعات العرض، مع الحفاظ على اللقاء الجسدي المباشر بين الممثل والمتفرج.
– إلى أي مدى أسهم التكوين الأكاديمي والممارسة الميدانية في إنتاج خطاب مسرحي نقدي قادر على تجديد التجربة المسرحية الجزائرية؟
العلاقة بين التكوين الأكاديمي والممارسة الميدانية في المسرح الجزائري ما تزال في طور التشكل، وهي بحاجة إلى رؤية تكاملية تتجاوز الفصل بين النظرية والتطبيق. تجديد التجربة المسرحية لا يتحقق عبر تلقين المناهج فقط، بل عبر «مختبرات مسرحية دائمة» تجمع بين البحث والتجريب.
نحن نتطلع إلى دور أكبر للدراماتورج بوصفه حلقة وصل بين الفكر الأكاديمي والعمل الميداني، حيث يرافق العرض من النص إلى التنفيذ، كما ينبغي تحويل المسارح والمؤسسات التكوينية إلى ورشات مفتوحة تنتج فكرا جماليا متجددا. بهذا المعنى، يصبح النقد المسرحي أداة بناء ترافق المبدع، وليس حكما يصدر بعد انتهاء العرض.
– ما الرهانات المستقبلية للمسرح الجزائري بين ضرورة الحفاظ على الهوّية المحلية والانفتاح على التجارب المسرحية العالمية؟
الرهان الحقيقي يتمثل في صياغة لغة مسرحية «محلية كونية»، تنطلق من الهوية الجزائرية وتخاطب الإنسان في كل مكان، الانغلاق يحول المسرح إلى متحف للتراث، والانفتاح غير الواعي يؤدي إلى التقليد. الطريق الثالث هو استخدام أدوات عالمية لقول قصة جزائرية.
حين يستلهم المسرح طقوس السبيبة أو إيقاعات الديوان، فهو لا يقدم عرضا فولكلوريا، بل يوظف لغة جسدية وإيقاعية ذات بعد إنساني عالمي. مستقبل المسرح الجزائري يكمن في هذا التوازن بين الجذور المحلية والتقنيات الحديثة، بما يسمح بإنتاج عروض ذكية قادرة على المنافسة عالميا.
إن هذا التوجه يمنح المسرح الجزائري جواز سفر نحو العالمية، عبر لغة فنية متجذرة في التربة الثقافية الوطنية، ومنفتحة في الوقت ذاته على الأفق الإنساني الواسع.




