المحروقات والمناجم.. جناحا النهضة الصناعية لتنويع مصادر الدخـل الوطنــي
مسار متكامل يربط بين ثروات الحاضر واستدامــة المستقبـل.. اقتصـاد منتــج
تحقيق الاكتفاء الذاتي في المحاصيل الإستراتيجية خاصـة القمـح الصلــب
تسير الجزائر بخطى ثابتة نحو ترسيخ الحصانة الاقتصادية الشاملة، وفق مقاربة متكاملة سطّرها رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، ترمي إلى تعزيز السّيادة الوطنية وتقليص التبعية للخارج، في ظل عالم يشهد تسارعا في الأزمات وتقلبات الأسواق، وترتكز هذه المقاربة على تثمين الموارد الطبيعية، تطوير الصّناعات الثقيلة، تحديث البنى التحتية، الاستثمار في الطاقات الجديدة، وتحقيق الأمن الغذائي، ضمن مسار متكامل يربط الحاضر بالمستقبل.
يواصل قطاع المحروقات أداء دوره المحوري في دعم الاقتصاد الوطني وتعزيز مكانة الجزائر على الساحة الدولية، وقد تمكنت الجزائر بفضل كفاءاتها الوطنية، من التحكم في كامل سلسلة القيمة لقطاع النفط والغاز، من الاستكشاف والإنتاج إلى النقل والتسويق.
وتبرز أهمية هذا القطاع من خلال المؤشرات التي تعكس تموقع الجزائر عالميا، حيث تحتل المرتبة السابعة ضمن أكبر مصدري الغاز في العالم، كما تعد ثالث ممون للسوق الأوروبية، في ظل الطلب المتزايد على الطاقة، خاصة في السياق الجيوسياسي الراهن، كما تمتلك الجزائر ثالث أكبر احتياطي نفطي في إفريقيا، ما يمنحها ثقلا استراتيجيا في معادلة الطاقة العالمية، ويعزز قدرتها على لعب دور محوري في ضمان أمن الطاقة، خاصة لفائدة الشركاء الأوروبيّين.
ويعد قطاع المحروقات المصدر الرئيسي للعملة الصعبة، حيث يساهم بشكل كبير في تمويل الميزانية العمومية ودعم برامج التنمية، إلى جانب تمويل المشاريع الكبرى في مختلف القطاعات، من بنية تحتية وصناعة وفلاحة، كما سمحت عائدات هذا القطاع بإطلاق مشاريع هيكلية تهدف إلى تنويع الاقتصاد، ما يجعله ركيزة أساسية في بناء الحصانة الاقتصادية، رغم التوجه نحو تقليص التبعية له على المدى البعيد.
وفي إطار الرّؤية الجديدة، تعمل الجزائر على تطوير الصناعة البتروكيميائية وتثمين الموارد الطاقوية، بدل تصديرها في شكلها الخام، بما يرفع من القيمة المضافة ويخلق مناصب شغل، كما تراهن على تجديد احتياطاتها من خلال تكثيف عمليات الاستكشاف، إلى جانب الاستثمار في الطاقات المتجددة، في مسعى لتحقيق توازن بين استغلال الموارد التقليدية وبناء نموذج طاقوي مستدام.
من الثّروة الخام إلى الصّناعة الاستراتيجية
في سياق الجهود الرامية إلى بناء حصانة اقتصادية متينة، يشهد قطاع المناجم هو الآخر ديناميكية غير مسبوقة، تقودها مشاريع هيكلية كبرى، في مقدمتها منجم غارا جبيلات بولاية تندوف الذي يعد من بين الأكبر عالميا باحتياطات تقدّر بـ 3.5 مليار طن من خام الحديد، وقد دخل المشروع مرحلة الاستغلال، بطاقة إنتاج أولية تتراوح بين 2 و3 ملايين طن سنويا، مع آفاق لرفع الإنتاج تدريجيا.
ويشكّل هذا المنجم رافعة صناعية حقيقية، خاصة مع إطلاق مشروع تثمين خام الحديد بولاية بشار، بطاقة إنتاج تصل إلى 4 ملايين طن سنويا من الحديد المركز، باستثمارات تفوق 750 مليون دولار، وباعتماد تكنولوجيات حديثة لإزالة الفوسفور، وهو المشروع الذي يجري تجسيده في إطار شراكة بين مجمّع “سوناريم” ومجمّع “توسيالي الجزائر”، ما يعكس توجّها نحو نقل التكنولوجيا وتطوير الصناعة الوطنية.
وحسب التّوقّعات ينتظر أن يساهم هذا المشروع في تقليص واردات الحديد بما يقارب 3 مليارات دولار سنويا، إضافة إلى خلق 25 ألف منصب شغل مباشر و125 ألف منصب غير مباشر على مستوى المشروع المندمج.
كما يشهد القطاع مشاريع أخرى واعدة، على غرار منجم الزنك والرصاص بوادي أميزور (بجاية)، الذي يعد من أبرز المشاريع المنجمية على المستوى الوطني والإفريقي، بالنظر إلى قدراته الإنتاجية الهامة، حيث يرتقب أن يبلغ إنتاجه السنوي نحو 170 ألف طن من الزنك و30 ألف طن من الرصاص، ما من شأنه تغطية احتياجات السوق الوطنية وتحقيق فائض موجه للتصدير.
ويكتسي هذا المشروع أهمية خاصة في دعم الصناعة الوطنية، إذ سيساهم في تقليص واردات المواد الأولية المستخدمة في عدة صناعات، على غرار الصناعات المعدنية والكيميائية، بما يعزّز الإدماج الصناعي ويرفع من القيمة المضافة للاقتصاد الوطني.
كما يرتقب أن يساهم في تحسين الميزان التجاري للجزائر، من خلال توجيه الفائض نحو الأسواق الخارجية، في ظل الطلب العالمي المتزايد على المعادن الاستراتيجية، خاصة الزنك المستخدم في الصناعات التحويلية والبناء.
الخطوط المنجمية..شرايين الثّروات
لضمان نجاح هذه المشاريع، استثمرت الجزائر في تطوير البنية التحتية الحديثة، فأنجزت من أجل تثمين مواردها الخط المنجمي الغربي بشار – تندوف – غارا جبيلات بطول 950 كلم، الذي يمثل شريانا استراتيجيا لنقل خام الحديد نحو وحدات التحويل والموانئ.
كما يشهد الشرق الجزائري إنجاز الخط المنجمي عنابة – تبسة على مسافة 422 كلم، الذي يعرف وتيرة أشغال متسارعة ليلا ونهارا، بمشاركة مؤسسات وطنية كبرى مثل كوسيدار وأنفرا فير وأنفرا راي، إلى جانب شركاء أجانب، حيث تشمل الأشغال وضع السكك، إنجاز الأنفاق، الجسور، والمحطات، وستمكّن هذه الشبكة من دعم مشروع الفوسفات المدمج، وتخفيض تكاليف النقل، وتعزيز تنافسية المنتجات الجزائرية في الأسواق الدولية، ما يعكس تكاملا واضحا بين المناجم والنقل والصناعة.
تموقع استراتيجي في طاقة المستقبل
بالموازاة مع استغلال الموارد التقليدية، تتّجه الجزائر نحو الطاقات الجديدة، وعلى رأسها الهيدروجين الأخضر والطاقات المتجددة، كخيار استراتيجي يعزّز تموقعها في سوق الطاقة العالمية.
وتعمل الجزائر على تطوير منظومة متكاملة لإنتاج الهيدروجين الأخضر، في إطار شراكة استراتيجية متقدمة مع الاتحاد الأوروبي، مرتكزة على إمكانيات طبيعية كبيرة، خاصة في مجال الطاقة الشمسية، إلى جانب البنية التحتية الطاقوية المتطورة.
وفي هذا الإطار، يبرز مشروع SoutH2 Corridor كأحد المشاريع الاستراتيجية الكبرى، حيث يهدف إلى إنشاء ممر لنقل الهيدروجين يربط الجزائر بأوروبا، ما سيمكّن من تصدير هذه الطاقة النظيفة وتعزيز موقع الجزائر كمورد رئيسي للطاقة المستقبلية.
كما تمّ إدراج هذه التوجهات ضمن برنامج TaqatHy+، الذي أطلق سنة 2025 بتمويل أوروبي – ألماني مشترك، والذي يهدف إلى دعم مشاريع الطاقات المتجددة، وتطوير الشبكات الكهربائية، وبناء اقتصاد قائم على الهيدروجين الأخضر.
ولا تقتصر أهمية هذه المشاريع على البعد الطاقوي فحسب، بل تمتد لتشمل تعزيز التنويع الاقتصادي، من خلال خلق صناعات جديدة قائمة على الطاقات النظيفة، وفتح آفاق للاستثمار وخلق مناصب شغل مستدامة.
من التّبعية إلى الاكتفاء الذّاتي
وفي سياق ترسيخ الحصانة الاقتصادية، تعزّز الجزائر جهودها لتحقيق الأمن الغذائي، من خلال برامج هيكلية غير مسبوقة، تجمع بين رفع الإنتاج وتطوير قدرات التخزين الاستراتيجي.
وفي هذا الإطار، تعكف الوزارة الوصية على إنجاز 30 صومعة استراتيجية لتخزين الحبوب، بسعة تصل إلى مليون قنطار لكل واحدة، إلى جانب 350 مركز تخزين جواري، ما يسمح برفع قدرات التخزين الوطنية من 4 ملايين طن إلى 9 ملايين طن، في خطوة نوعية تهدف إلى تأمين الاحتياجات الغذائية، وضمان استقرار السوق الوطنية ومواجهة تقلبات الأسواق العالمية.
وعلى مستوى الإنتاج، تسعى الجزائر إلى تحقيق قفزة نوعية في مردودية الحبوب، من خلال رفعها من 15 قنطارا في الهكتار إلى 30 هكتارا على الأقل، عبر توسيع المساحات المزروعة، خاصة في الجنوب، كما تمّ إطلاق مشاريع كبرى لتطوير الفلاحة الصحراوية، من خلال توسيع المساحات المسقية واعتماد تقنيات حديثة، بهدف تحقيق الاكتفاء الذاتي في المحاصيل الاستراتيجية، خاصة القمح الصلب.
ويبرز مشروع المزرعة المتكاملة لإنتاج الحليب بولاية أدرار، الذي يسجل تقدما واضحا في الأشغال، مثلما أبرزه فيديو لسفارة قطر بالجزائر نشر عبر صفحتها الرسمية، كنموذج للشراكات الناجحة، في إطار تعاون جزائري – قطري، حيث يهدف إلى إنتاج الحليب محليا وتقليص واردات مسحوق الحليب.
ويرتكز المشروع على منظومة إنتاج متكاملة، تشمل تربية الأبقار، إنتاج الأعلاف، وتحويل الحليب، ما يعزز القيمة المضافة ويخلق مناصب شغل، ويدعم التنمية في الجنوب.
بنـاء اقتصاد قـــوي ومستـدام
تعكس هذه المشاريع وفق خبراء ومختصّين تكاملا واضحا في الرؤية الاقتصادية، حيث تمثّل المحروقات دعامة مالية، بينما تشكل المناجم والصناعة رافعة للتنويع، وتدعم البنية التحتية هذا التحول، في حين تمثل الطاقات الجديدة والأمن الغذائي استثمارا في المستقبل، وهو ما يسمح ببناء اقتصاد متوازن، قادر على مواجهة الصدمات الخارجية، وتعزيز استقلالية القرار الوطني.



