حمايــة القـدرة الشرائيـة.. رقمنـة التوزيع وصـون الـثروة الحيوانيـة
في سياق المتابعة الدقيقة للتحضيرات الخاصة بعيد الأضحى المبارك، عاد رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، ليؤكد مجددا حرصه الشخصي على إنجاح عملية استيراد الأضاحي وضمان وصولها إلى المواطنين في أحسن الظروف، من خلال تعليمات صارمة وجهها خلال اجتماع مجلس الوزراء الأخير، شدد فيها على ضرورة تسريع وتيرة تنفيذ العملية والسهر على تنظيمها بكفاءة وشفافية، بما يسمح بتمكين أكبر عدد من الجزائريين من أداء شعيرة عيد الأضحى المبارك في أجواء مريحة وبأسعار معقولة.
وتكشف التعليمات الجديدة الصادرة عن رئيس الجمهورية أن استيراد الأضاحي لا يُنظر إليه كمجرد عملية ظرفية مرتبطة بمناسبة دينية، إنما يدخل ضمن رؤية اجتماعية واقتصادية متكاملة، تقوم على حماية القدرة الشرائية للمواطن من جهة، وضبط السوق الوطنية من جهة أخرى، خاصة في ظل التحديات التي تعرفها شعبة اللحوم الحمراء خلال السنوات الأخيرة، سواء من حيث الوفرة أو الأسعار أو المضاربة.
وللعام الثاني على التوالي، تقرر الدولة استيراد مليون رأس غنم، تحسبا لعيد الأضحى، في خطوة تعكس إصرار السلطات العليا على التدخل المباشر لضبط السوق وتوفير الأضاحي للمواطنين، بعد أن أثبتت التجربة السابقة أهمية هذا الإجراء في تخفيف الضغط على السوق الوطنية وتقليص موجات المضاربة والارتفاع غير المبرر للأسعار.
غير أن ما يميز عملية هذا العام، هو الطابع التنظيمي والاستباقي الذي طبعها منذ بدايتها، حيث انطلقت التحضيرات قبل نحو أربعة أشهر من موعد عيد الأضحى، وهو ما منح الجهات المعنية هامشا أكبر للتحكم في مختلف الجوانب اللوجستية والتنظيمية المرتبطة بالاستيراد والتوزيع والمتابعة البيطرية، بعيدا عن الارتجال أو ضغط الوقت الذي كان يطبع مثل هذه العمليات في السابق.
كما شكل اعتماد منصة رقمية لتسجيل المواطنين الراغبين في اقتناء الأضاحي خطوة نوعية نحو عصرنة العملية وإضفاء مزيد من الشفافية والتنظيم عليها، بما يسمح بضبط الطلب الحقيقي وتسهيل عملية التوزيع ومراقبة مختلف المراحل، مع تقليص فرص السمسرة والتلاعب التي كانت ترافق الأسواق التقليدية. ويعكس هذا التوجه رغبة واضحة في توظيف الرقمنة كأداة لتحسين الخدمة العمومية وتقريب الإدارة من المواطن، خاصة في الملفات ذات الطابع الاجتماعي الواسع.ومن خلال متابعته الدقيقة لهذا الملف، بعث رئيس الجمهورية برسالة واضحة مفادها أن الدولة حاضرة لحماية المواطن والتكفل بانشغالاته اليومية، لاسيما تلك المرتبطة بالمناسبات الدينية والاجتماعية التي تمثل جزءا من الهوية الجماعية للجزائريين. فتمكين العائلات من اقتناء أضحية العيد بأسعار معقولة، في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة، يكتسي بعدا اجتماعيا وإنسانيا يتجاوز مجرد الأرقام أو الإجراءات الإدارية.
وفي المقابل، لم تغفل تعليمات رئيس الجمهورية الجانب الاستراتيجي المتعلق بحماية الثروة الحيوانية الوطنية، حيث شدد بشكل صارم على منع ذبح إناث الأغنام المستوردة، وتوجيهها إجباريا نحو التربية داخل فضاءات مخصصة، حفاظا على القطيع الوطني وتعزيزا لقدرات البلاد في مجال تربية المواشي مستقبلا.
ويأتي هذا القرار، امتدادا لتوجيهات سابقة كان قد أصدرها رئيس الجمهورية، تقضي بمنع ذبح إناث الأغنام وتجريم هذه الممارسات لما لها من آثار سلبية مباشرة على تجديد القطيع الوطني واستقرار شعبة اللحوم الحمراء. وهو ما يعكس وعيا متزايدا بضرورة الانتقال من المعالجة الظرفية للأزمات إلى تبني رؤية بعيدة المدى تقوم على حماية الموارد الحيوانية الوطنية وضمان استدامتها.
كما تندرج هذه الإجراءات ضمن مسعى أوسع لإعادة تنظيم وتطوير شعبة اللحوم الحمراء، وهي الشعبة التي سبق لرئيس الجمهورية أن أعرب عن أسفه لعدم تحقيق الوفرة المرجوة فيها، خاصة من حيث التحكم في الأسعار وضمان توازن السوق. فرغم الإمكانات الفلاحية الكبيرة التي تتوفر عليها الجزائر، لا تزال هذه الشعبة تعاني من اختلالات مرتبطة بالإنتاج والتوزيع والتسويق، فضلا عن تحكم بعض الوسطاء والمضاربين في الأسعار، بشكل يجعلها أحيانا بعيدة عن منطق العرض والطلب الحقيقي.
وفي هذا السياق، تبدو الحاجة ملحة اليوم إلى إطلاق رؤية جديدة لتطوير شعبة تربية المواشي في الجزائر، تقوم على العصرنة والاحترافية والاستثمار المنتج، من خلال تشجيع إنشاء شركات وطنية متخصصة في التربية المكثفة للأغنام، تعتمد على التكنولوجيات الحديثة في التغذية والتكاثر والمتابعة البيطرية، بما يسمح برفع الإنتاج وتحسين المردودية وضمان استقرار السوق الوطنية.
وتمتلك الجزائر مؤهلات طبيعية وفلاحية معتبرة، من مساحات رعوية واسعة وإمكانات بشرية وخبرات متراكمة، تؤهلها لبناء نموذج اقتصادي ناجح في مجال تربية المواشي، ليس فقط لتغطية الاحتياجات الوطنية، بل حتى للتوجه مستقبلا نحو التصدير. غير أن تحقيق هذا الهدف يبقى مرتبطا بضرورة كسر حلقات الاحتكار والمضاربة، وإخضاع السوق لآليات شفافة تقوم على المنافسة الحقيقية، مع تعزيز دور الرقابة والتنظيم.
في المحصلة، تعكس المتابعة الشخصية لرئيس الجمهورية لملف استيراد الأضاحي هذا العام، رؤية متكاملة لا تقتصر على ضمان وفرة ظرفية بمناسبة عيد الأضحى، وإنما تمتد إلى حماية القدرة الشرائية للمواطن، والحفاظ على الثروة الحيوانية الوطنية، ووضع أسس إصلاح حقيقي لشعبة اللحوم الحمراء في الجزائر. وهي مقاربة تؤكد أن تحقيق الأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي يمر حتما عبر التخطيط الاستباقي، والعصرنة، وربط القرارات الاقتصادية بالبعد الاجتماعي والتنمية المستدامة.





