الشباك الوحيد والتحوّل الرقمي يقودان مرحلة جديدة لجذب الاستثمارات
المؤهلات البنيوية.. عوامل جذب تؤهل الجزائر لقيادة الطفرة الإنتاجية الإقليمية
تتجّه الجزائر نحو مرحلة جديدة في تسيير الاستثمار، تقوم على الرقمنة وتبسيط الإجراءات وتحسين بيئة الأعمال، في إطار رؤية اقتصادية تهدف إلى بناء اقتصاد متنوع وأكثر تنافسية خارج قطاع المحروقات. ويأتي هذا التوجه في سياق الإصلاحات التي باشرتها السلطات العليا في البلاد تحت قيادة رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، لتحديث المنظومة الاستثمارية، من خلال اعتماد الشباك الوحيد والمنصات الرقمية لتسهيل معالجة الملفات وتقليص الآجال الإدارية التي كانت تعرقل تجسيد المشاريع لسنوات.
أكد الوزير الأول سيفي غريب مؤخرا، أن الجزائر دخلت مرحلة جديدة في إصلاح منظومة الاستثمار، ترتكز على تسريع معالجة الملفات وتحويل الوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار إلى المحاور الفعلي للمستثمر، مع تعزيز الرقمنة ومنح صلاحيات أوسع للشبابيك الوحيدة للقضاء على البيروقراطية وترسيخ الثقة مع المستثمرين.
وتعكس الإصلاحات الجديدة توجها نحو الانتقال من الإدارة التقليدية إلى الإدارة الاقتصادية الذكية، حيث أصبح إيداع الملفات الاستثمارية والطعون وطلبات العقار الصناعي يتمّ عبر بوابات رقمية، مع تحديد آجال قانونية للرد، بما يسمح بتقليص التعقيدات الإدارية ورفع مستوى الشفافية.
كما تسعى هذه الآليات إلى إنهاء معاناة المستثمرين مع التنقل بين الإدارات المختلفة، عبر تجميع مختلف الخدمات والإجراءات داخل فضاء موحد يضمّ عدة قطاعات وهيئات معنية بالاستثمار.
إصلاحات تسرّع تجسيد المشاريع
في ضوء ذلك، قال الخبير الاقتصادي، الدكتور عبد الصمد سعودي، إن الجزائر تولي منذ سنوات أهمية كبيرة لتطوير المنظومة الاستثمارية، في إطار سعيها إلى تنويع الاقتصاد الوطني ورفع الصادرات خارج قطاع المحروقات، بما يساهم في زيادة الناتج الداخلي الخام وتحسين مستوى رفاهية المجتمع.
وأوضح المتحدث أن نجاح أي منظومة استثمارية يقتضي عصرنتها وتحديث آليات عملها، وهو ما شرعت فيه الجزائر من خلال جملة من الإصلاحات، خاصة بعد صدور قانون الاستثمار الذي كرّس مفاهيم الرقمنة وإدماجها في مختلف مراحل المسار الاستثماري.
وأشار سعودي إلى أن بداية هذا التحوّل تجسدت عبر اعتماد الشباك الوحيد والبوابات الرقمية التابعة لـلوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار، حيث أصبح إيداع الملفات والمشاريع الاستثمارية يتمّ إلكترونيا، مع تحديد آجال للرد، وفي حال عدم الرد تعتبر بعض الطلبات مقبولة آليا، كما تتمّ إجراءات الطعون عبر المنصات الرقمية.
وأكد الخبير الاقتصادي أن هذه العملية ساهمت في تعزيز الشفافية ورفع العديد من العراقيل التي كانت تواجه المستثمرين، لاسيما في ما يتعلق بالعقار الصناعي، من خلال إنشاء فضاءات رقمية تعرض العقارات المتوفرة، وتسمح للمستثمرين بتقديم طلباتهم وفق نظام تنقيط يعتمد على جدوى المشروع وسرعة الاستجابة للطلبات المنشورة عبر البوابة الخاصة بالعقار الصناعي.
الرقمنـــــة بوابـــة النجــــــــاح
وفي السياق ذاته، أشار محدثنا إلى أن الرقمنة أصبحت اليوم أداة أساسية لتعزيز الشفافية وتحسين مناخ الاستثمار، من خلال القضاء على الممارسات البيروقراطية التي كانت تعرقل تجسيد المشاريع وتؤخر معالجة الملفات لسنوات، وأوضح أن الشباك الوحيد يفترض أن يوفر للمستثمر كل المعلومات والوثائق والإجراءات اللازمة ضمن فضاء موحد، بما ينهي تنقل المستثمر بين الإدارات والقطاعات المختلفة، ويسمح بتجميع مختلف الخدمات داخل منصة واحدة تضمّ عدة وزارات وهيئات معنية بالاستثمار.
وأشار محدثنا إلى أن العديد من الدول أصبحت تعتمد على أنظمة رقمية تسمح بتقديم طلبات الاستثمار وتجسيد المشاريع في ظرف ساعات، بينما كانت البيروقراطية في السابق تؤدي إلى بقاء المشاريع مجمدة على الرفوف طويلا، ما أثّر سلبا على التنمية الاقتصادية.
وأضاف محدثنا أن اعتماد البوابات والمنصات الرقمية الخاصة بإيداع الملفات، وطلب الرخص الاستثنائية، والبحث عن العقار الصناعي، إضافة إلى طلب خدمات الكهرباء والغاز والهاتف الخاصة بالمشاريع الاستثمارية، سيساهم في إزالة التعقيدات الإدارية التي كانت تنفر المستثمرين من التوجّه إلى السوق الجزائرية بسبب العراقيل الإجرائية.
و ضمن هذا الإطار، أشار أستاذ العلوم الاقتصادية بجامعة المسيلة، إلى أن العالم اليوم يشهد تطورا كبيرا في معدلات معالجة الملفات الاستثمارية، حيث أصبحت بعض الدول قادرة على استقبال طلبات الاستثمار ودراستها والفصل فيها خلال أيام قليلة، بفضل الرقمنة وتبسيط الإجراءات، وأوضح أن الجزائر تسجل – بدورها – تحسنا تدريجيا في هذا المجال، بعدما كانت المشاريع في السابق تبقى عالقة بسبب التعقيدات البيروقراطية، مؤكدا أن الآجال تقلصت بشكل ملحوظ خلال السنوات الأخيرة، وتقلصت بالرقمنة أكثر. مشيرا إلى تدخل رئيس الجمهورية في كثير من المشاريع الكبرى من أجل منحها رخص استثنائية لتقليص آجال المعالجة، أو معالجة بعض العراقيل الإدارية والعقارية التي كانت تعطل الاستثمار، وأكد سعودي أن بعض المشاريع كانت تتوقف في السابق بسبب خلافات مرتبطة بمساحات صغيرة من العقار، وهو ما كان يمكن تسويته إداريا للسماح بتجسيد المشاريع وعدم تعطيل الاستثمارات.
تعزيز جاذبية الاستثمار
في الإطار، أفاد محدثنا أن الاقتصاد الوطني يتمتع بعدة عوامل جاذبة، على غرار المساحة الشاسعة، وعدد السكان، وتوفر المواد الأولية، إضافة إلى أسعار الطاقة التنافسية، ووفرة اليد العاملة الشابة والمؤهلة، وأوضح أن منظومة التكوين، سواء عبر الجامعات أو معاهد التكوين المهني، تمثل بدورها عامل جذب مهم للاستثمارات الأجنبية، بالنظر إلى توفر الكفاءات البشرية التي تحتاجها المشاريع الاقتصادية الحديثة.
وقال الدكتور سعودي إن الجزائر مقبلة على مرحلة جديدة من تنويع اقتصادها الوطني، من خلال تطوير عدة قطاعات إستراتيجية خارج المحروقات، على غرار المناجم، والصناعة التحويلية، والصناعة الصيدلانية، والقطاع الفلاحي، والصناعات الغذائية، موضحا أن هذا التوجّه سيساهم في تعزيز التنويع الاقتصادي ورفع الصادرات خارج قطاع المحروقات، بما يدعمّ النمو الاقتصادي ويقوي قدرة الاقتصاد الوطني على خلق الثروة ومناصب الشغل.
وأضاف المتحدث أن المؤشرات الاقتصادية الدولية تعكس هذه الديناميكية، مشيرا إلى أن توقعات صندوق النقد الدولي تشير إلى إمكانية وصول الناتج الداخلي الخام للجزائر إلى نحو 317 مليار دولار مع نهاية سنة 2026، مدفوعا بالإصلاحات الاستثمارية وتوسيع الرقمنة وتحسين مناخ الأعمال.
وخلص سعودي إلى التأكيد على أن الاقتصاد الوطني في ظل الإصلاحات الاقتصادية والاستثمارية الجارية، يشهد تحسنا تدريجيا، لأن تحسين مناخ الاستثمار رهان المرحلة الاقتصادية الجديدة التي يقودها الرئيس عبد المجيد تبون.




