ارتفــاع الإسهام الصناعي من 3 إلى 10 بالمائة تحوّل اقتصـــادي غير مسبـوق
بعيـــــدا عن مظلة الريع النفطي.. التصنيع حصانة من تقلّبات الأسواق العالمية
تشهد الجزائر خلال المرحلة الحالية تحوّلا اقتصاديا مهما يعكس انتقالها التدريجي من اقتصاد يعتمد أساسا على عائدات المحروقات إلى اقتصاد أكثر تنوّعا، ويبرز هذا التحول من خلال ارتفاع مساهمة القطاع الصناعي في الناتج الداخلي الخام من حوالي 3 بالمائة إلى قرابة 10 بالمائة، مع استهداف بلوغ 13 بالمائة في الفترة المقبلة، ما يؤكّد توجه الجزائر نحو إعادة بعث النسيج الصناعي الوطني وتعزيز دور الصناعة في خلق الثروة ودعم التنمية خارج قطاع النفط والغاز.
في هذا الصدد، قال الخبير الاقتصادي عبد النور قاشي في تصريح لـ»الشعب»، إنّ الانتقال من مساهمة محدودة للصناعة إلى نسبة تقترب من 10 بالمائة يحمل دلالات اقتصادية استراتيجية كبيرة؛ لأنّ الصناعة تعتبر من أكثر القطاعات قدرة على إنتاج القيمة المضافة وخلق مناصب الشغل وتحريك مختلف الأنشطة المرتبطة بها.
وتابع المتحدث: «كل توسّع في النشاط الصناعي ينعكس مباشرة على قطاعات النقل والخدمات والتخزين واللوجستيك والتكوين المهني والتكنولوجيا، يخلق دورة اقتصادية متكاملة تساهم في تنشيط السوق الوطنية ورفع مستوى الإنتاج الداخلي».
وأوضح قاشي أنّ الصناعة تمثل أحد أهم المؤشّرات التي تقاس بها قوة الاقتصادات الحديثة؛ لأنها تعكس قدرة الدولة على التحول من اقتصاد استهلاكي إلى اقتصاد منتج يعتمد على التصنيع والتحويل والابتكار، كما أنّ تطور الصناعة يساهم في خلق الثروة وتوفير مناصب الشغل ورفع القدرة التنافسية للاقتصاد الوطني في الأسواق المحلية والدولية.
وتأتي هذه النتائج الإيجابية -يضيف الخبير- في سياق رؤية اقتصادية واضحة تبنّتها الدولة خلال السنوات الأخيرة، ترتكز على تشجيع الاستثمار المنتج، وتحفيز المؤسّسات الصناعية، واسترجاع القدرات الإنتاجية الوطنية، مع إعطاء أولوية خاصة للصناعات التحويلية ومواد البناء والصناعات الغذائية والميكانيكية والكهرومنزلية.
وقد سمح هذا التوجه -يقول محدثنا- بخلق مناخ اقتصادي أكثر حيوية، تجسّد ميدانيا من خلال دخول 589 مشروعا صناعيا جديدا حيّز النشاط، خلال الأشهر الأولى فقط من عام 2026، وهو رقم يعكس الديناميكية الكبيرة التي يشهدها القطاع الصناعي الوطني، كما يؤكّد هذا التطور أنّ الصناعة أصبحت إحدى الركائز الأساسية لدفع النمو الاقتصادي وخلق فرص العمل وتعزيز الإنتاج المحلي.
وصرّح قاشي: «لم يكن الأثر الاقتصادي لهذه المشاريع مقتصرا على زيادة عدد الوحدات الإنتاجية وحدها، فقد امتد ليشمل الجانب الاجتماعي والتنموي، حيث ساهمت هذه المشاريع في استحداث أكثر من 33.700 منصب شغل مباشر، وهو ما يمنح دفعا قويا لسوق العمل ويعزّز فرص الإدماج الاقتصادي للشباب والكفاءات الوطنية، كما أنّ القطاع الصناعي يمتاز بقدرته على خلق وظائف مستقرّة ومستدامة، مرتبطة بالإنتاج والتقنيات والخدمات الصناعية، ما يجعله من أكثر القطاعات مساهمة في تحريك عجلة الاقتصاد الداخلي.
أمّا من الناحية الاقتصادية – يضيف المتحدث – فإنّ ارتفاع مساهمة الصناعة في الناتج الداخلي الخام يعني أيضا ارتفاع حجم القيمة المضافة الوطنية، أي زيادة حجم الثروة المنتجة داخل الجزائر بدل الاعتماد على الاستيراد، فكل مصنع جديد يدخل حيّز النشاط يساهم في إنتاج السلع محليا، وتوفير المنتجات للسوق الوطنية، وتقليص فاتورة الاستيراد، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على الحفاظ على احتياطي العملة الصعبة وتحسين الميزان التجاري، كما أنّ توسيع القاعدة الصناعية يساعد الجزائر على الانتقال تدريجيا إلى اقتصاد إنتاجي قادر على المنافسة، خاصة بفضل موقعها الاستراتيجي وإمكاناتها في الأسواق الإفريقية والعربية والمتوسطية، ويمنحها ذلك فرصة لتطوير قطاعها الصناعي والانفتاح أكثر على الأسواق الإفريقية، ما يعزّز صادراتها ويزيد من حضور المنتجات الجزائرية في الخارج.
وقال قاشي إنّ الرهان لا يرتبط بالأرقام وحدها، ذلك أنّ مفهوم السيادة الاقتصادية نفسه يتبلور بشكل غير مسبوق، فالدول التي تمتلك قاعدة صناعية قوية، تكون أكثر قدرة على التحكّم في احتياجاتها الأساسية، وأكثر استقلالية في مواجهة التقلّبات الاقتصادية العالمية، ومن هذا المنطلق، فإنّ تطوير الصناعة الوطنية يمثل خطوة استراتيجية نحو تعزيز الأمن الاقتصادي الوطني وتحقيق الاكتفاء في العديد من المجالات الحيوية، مع بناء اقتصاد أكثر استقرارا واستدامة.
وأكّد محدثنا – في السياق ذاته – أنّ الجزائر بدأت تؤسّس لنموذج اقتصادي جديد يقوم على تنويع مصادر الدخل وتوسيع قاعدة الإنتاج الوطني، فبعد سنوات طويلة كان فيها الاقتصاد مرتبطا بشكل أساسي بعائدات النفط والغاز، أصبحت الصناعة اليوم تفرض نفسها كأحد أهم المحرّكات الجديدة للنمو، وهذا التحول من شأنه أن يمنح الاقتصاد الوطني قدرة أكبر على مقاومة التقلّبات الدولية، وتحقيق استقرار مالي وتنموي، خاصة مع تزايد مساهمة القطاعات المنتجة في خلق الثروة، كما أنّ بلوغ هدف رفع مساهمة الصناعة إلى 13 بالمائة خلال السنوات المقبلة، سيشكّل قفزة اقتصادية نوعية؛ لأنه يعني إضافة مليارات الدولارات من القيمة المضافة الصناعية للاقتصاد الوطني، إلى جانب توسيع شبكة المؤسّسات الإنتاجية ورفع حجم الصادرات خارج المحروقات، وسيكون لذلك أثره المباشر على تعزيز مكانة الجزائر الاقتصادية إقليميا وقاريا، وتحسين تنافسية المنتجات الوطنية، وفتح آفاق جديدة للاستثمار والتشغيل والابتكار.
وقال الخبير الاقتصادي إنّ الجزائر اليوم أمام مرحلة اقتصادية واعدة تقوم على إعادة بناء الاقتصاد الوطني، وفق رؤية أكثر توازنا واستدامة، يكون فيها الإنتاج والصناعة والاستثمار أساس النمو الحقيقي، فالتحوّلات الجارية اليوم تعكس تحسّن أرقام اقتصادية، بقدر ما تعكس مسارا استراتيجيا يرسم ملامح اقتصاد جزائري جديد أكثر تنوّعا، وأكثر قدرة على خلق الثروة، وأكثر استعدادا لمواكبة التحوّلات الاقتصادية العالمية.




