رقمنــة الإدارة.. انتقـال من منطق الوسائل إلى منطق النتائـج
تشبيك البيانات بوصلة السياسات الاستراتيجية.. هندسة القرار
طرح الخبير عبد القادر بريش نظرة إيجابية تؤكّد أنّ مشروع النظام الوطني للمساعدة على اتخاذ القرار، هو إعلان فعلي عن ميلاد نموذج حكومي رائد بالجزائر، يجسّد من خلال ترابط البيانات، وتكامل السياسات، وربط كل إجراء بنتيجة قابلة للقياس والمحاسبة، وأبرز أنّ هذا التوجّه الاستباقي، يحول الإدارة إلى هندسة ذكية للسياسات العامة تجسّد التوجيهات الرئاسية في واقع رقمي متماسك.
قال البروفيسور عبد القادر بريش إنّ اجتماع الحكومة الأخير خصّص لدراسة مشروع تصميم نظام وطني للمساعدة على اتخاذ القرار، وتمّ إعداده بناء على توجيهات رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، المتعلّقة بضرورة تبني نهج شامل يربط بين القطاعات ويربط البيانات ببعضها.
ويمثل المشروع، الذي يندرج ضمن تنفيذ التحول الرّقمي في الجزائر – يقول محدثنا – خطوة جديدة نحو إرساء منظومة رقمية وطنية فعالة وآمنة ومتكاملة، تقوم على إعادة بناء العلاقة بين المعلومة والقرار، من خلال وضع نموذج حوكمة حديث لتوجيه الخيارات الاستراتيجية للسياسة العامة، استنادا إلى بيانات وإحصاءات موثوقة ومترابطة، بهدف تعزيز الأداء العمومي في إدارة الشأن العام.
واعتبر بريش أنّ المشروع يؤشّر على انتقال تدريجي من منطق «القرار الإداري المعزول» إلى منطق «هندسة القرار العمومي»، حيث لم يعد القرار مجرّد إجراء مؤسّساتي، بعد أن صار جزءا من منظومة مركبة تقوم على تشبيك البيانات، وتكامل المعطيات، وتوحيد الرؤية بين مختلف القطاعات، وهو ما يعكس تحوّلا نوعيا إلى نموذج أكثر تكاملا ونجاعة في صياغة السياسات العمومية.
حوكمة السياسات العمومية
أوضح بريش أنّ المشروع يشكّل مدخلا أساسيا لترسيخ ترشيد القرارات، وترشيد السياسات العمومية، عبر الانتقال من منطق التدخّلات المجزّأة إلى منطق التكامل السياساتي القائم على المعطيات الموضوعية، والتحليل الكلّي للسياسات، كما يهدف إلى الارتقاء بجودة القرار العمومي من خلال ربطه بمنظومة دقيقة لتحديد الأهداف، ما يسمح بالانتقال من منطق الوسائل إلى منطق النتائج، ومن منطق النشاط الإداري إلى منطق الأثر العمومي القابل للقياس والتقييم.
وفي الشق المتعلّق بالتسيير العمومي الجديد كمدخل لإعادة هندسة الدولة الإدارية، أكّد محدثنا أنّ هذا يبرز إدماج آليات التسيير العمومي الجديد، كتحول بنيوي في فلسفة التدبير العمومي، يقوم على عدة ركائز، من ضمنها الانتقال من منطق الإجراءات إلى منطق النتائج والأثر، تعزيز النجاعة وربط المسؤولية بالأداء، وإعادة تعريف الإدارة كفاعل منتج للقيمة العمومية وليس مجرّد جهاز تنفيذي.
ويرى الخبير عبد القادر بريش أنّ أهمية هذا التحول، تتمثل في ترسيخ حوكمة القرار العمومي وفعالية السياسات العمومية، كإطار مرجعي لإعادة ضبط العلاقة بين الدولة والنتائج التنموية.
سرعة الاستجابة وفعالية التدخّل
تحدث الخبير بريش عن أهمية إرساء منظومة معلوماتية وطنية كـ»قاعدة للقرار»، وقال إنّ هذا التحول يقتضي بناء منظومة إحصائية محدثة ومحينة وشفافة، قائمة على معطيات قطاعية دقيقة وموثوقة، تشكّل البنية التحتية المعرفية لاتخاذ القرار العمومي.
في هذا الإطار، يصبح توحيد البيانات وربطها بين مختلف القطاعات شرطا جوهريا لتقليص التناقضات، وتحقيق الانسجام بين السياسات العمومية، وتجاوز منطق المعطيات المتفرّقة نحو منظومة معلوماتية موحّدة ومندمجة.
وعلى صعيد الرّقمنة وتشبيك البيانات كأداة لحوكمة القرار، أوضح الخبير بريش أنّ استخدام التقنيات الحديثة في التسيير العمومي يشكّل ركيزة مركزية في هذا النموذج، من خلال إنشاء قواعد بيانات قطاعية مترابطة، تشبيك المعطيات الإحصائية على المستوى الوطني، وإرساء منظومة رقمية مندمجة لدعم القرار العمومي.
ويهدف هذا التوجه – يقول بريش – إلى تعزيز تنسيق السياسات العمومية، وتقليص فجوة التعارض والتضاد في القرارات العمومية، إضافة إلى الحدّ من فجوة التأخير والتباعد الزمني بين صناعة القرار وتنفيذه، بما يعزّز سرعة الاستجابة وفعالية التدخّل العمومي.
هندسة القرار العمومي
عن لوحات القيادة والتحول نحو القرار القائم على المؤشّرات، قال بريش إنّ النموذج الجزائري، يمثل لوحات القيادة القطاعية، وهي أداة محورية في إعادة هندسة القرار العمومي، من خلال تتبع تنفيذ السياسات العمومية بشكل لحظي، قياس الأداء عبر مؤشّرات دقيقة وموضوعية، ربط النتائج بالأهداف المسطّرة مسبقا، وضبط المسارات الزمنية للتنفيذ والتقييم.. من خلال كل هذا – يقول المتحدث – يتحول القرار العمومي من فعل إداري خطي إلى منظومة ديناميكية قائمة على البيانات والمؤشّرات والتصحيح المستمر.
وانطلاقا من المساءلة الإدارية إلى الحوكمة القائمة على النتائج، أكّد الخبير الاقتصادي بريش، أنّ التحول يرتكز على ترسيخ ثقافة المساءلة والمحاسبة في التسيير العمومي، من خلال الانتقال من منطق المسؤولية الشكلية إلى منطق المسؤولية المبنية على النتائج القابلة للقياس.
وخلص عبد القادر بريش إلى القول إنّ مشروع تصميم نموذج وطني للمساعدة على اتخاذ القرار، كما تمّ عرضه في اجتماع الحكومة، يمثل تحديثا تقنيا للمنظومة الإدارية، وفي الوقت نفسه، يعكس تحولا استراتيجيا عميقا في هندسة القرار العمومي، وهو انتقال من منطق القرار الإداري التقليدي إلى منطق الحوكمة الذكية للسياسات العمومية، القائم على تشبيك البيانات، وترشيد السياسات، وتوظيف الرّقمنة، وربط المسؤولية بالنتائج، بما يعزّز قدرة الدولة على الاستشراف، والفعالية، والنجاعة في إدارة الشأن العام.





