الأمــن المائـي الجزائري مشروع دولة ومسألة أمن قومي
ضمـان كرامة المواطــن ووقف الهــدر المائــي.. ثــورة تسيــير
يؤكد الباحث في الاقتصاد وقانون الأعمال بجامعة الأغواط، الدكتور الحاج محمد الرق، أن قضية الأمن المائي في الجزائر ليست مجرد ملف تقني يخص وزارة الري، إذ تحولت إلى مشروع دولة ومسألة «أمن قومي» بامتياز، عكسه توجيهات رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، في مجلس الوزراء الأخير القاضية برسم معالم «تحول هيكلي» عميق في شركة «الجزائرية للمياه» العمومية، ودمج الكفاءة والرقمنة في قلب المخطط الجديد.
أبرز الدكتور الحاج محمد الرق، في تصريح خصّ به «الشعب»، أن أوامر رئيس الجمهورية ترجمت الأهمية الاستراتيجية لملف الموارد المائية في الأجندة الوطنية، حيث وضع النقاط على الحروف بشأن مستقبل تسيير قطاع المياه في البلاد، بهدف إنهاء الحقبة التقليدية في التسيير والانتقال إلى مرحلة الأداء الحسن والرقابة الصارمة.
وأوضح الرق أن رئيس الجمهورية أصدر تعليمات واضحة بمراجعة مخطط تسيير وتوزيع المياه بشكل جذري؛ ذلك أن النظام الحالي يحتاج إلى تنظيم أكثر فعالية، ولم يعد مقبولا، حسب التوجيهات، استمرار ظاهرة «ضياع المياه» وسط شبكات التوزيع المتهالكة، والتي تتسبب في خسائر مادية ومائية معتبرة تستنزف خزينة الدولة وجهود الحفاظ على المورد الطبيعي. كما إن محاربة هذا «النزيف» لم تعد مجرد صيانة تقنية، وإنما أصبحت أولوية وطنية قصوى لوقف هدر ثروة حيوية تزداد ندرتها مع مرور الزمن.وقد كلف الرئيس تبون وزير القطاع بوضع حد لظاهرة ضياع المياه بشكل سريع، في خطوة مبدئية من شأنها وضع آليات لحصر الخسائر التقنية التي تتجاوز في بعض المناطق أرقاما مقلقة.والتحليل العميق لهذا التوجيه يبيّن أن الدولة لن تكتفي بالحلول الترقيعية، فالتوجه الراهن يرمي إلى عصرنة الشبكات واستبدال القنوات المهترئة بأنظمة ذكية أكثر نجاعة في التوزيع، ومكافحة «السرقات الموصوفة» للمياه عبر التوصيلات غير الشرعية، والتي تساهم في اختلال التوازن المادي للمؤسسات، مع حوكمة النتائج بوضع مسيري «الجزائرية للمياه» أمام مسؤولية الأرقام من حيث الاستهلاك والإمكانات المائية المتوفرة؛ فكل قطرة ضائعة هي خسارة لاستثمارات الدولة في محطات تحلية مياه البحر والسدود الكبرى، بحسب قوله.
كـــسر العزلــــة القطاعيــة
وأهم ما ميّز توجيهات رئيس الجمهورية، – أضاف الدكتور الرق – هو الدعوة الصريحة لكسر «العزلة القطاعية» في إدارة ملف المياه عبر إشراك مختلف القطاعات في تسييره، حيث شدد الرئيس على ضرورة إشراك الفاعلين والمؤسسات المعنية في منظومة العمل، تأكيدا على أن مشكلة المياه ليست شأنا تقنيا محصورا في وزارة بعينها، وإنّما هي منظومة متكاملة تتطلب تنسيقا بين الري والفلاحة، الداخلية والبيئة وغيرها. وهذا التوجه يضمن نجاعة أكبر في حل المشاكل التقنية والإدارية التي كانت تعيق التسيير الأمثل للمياه في السابق.
وتابع: «كسر الأحادية القطاعية والتسيير العرضي للمياه، أحد أعمق التحليلات لأوامر الرئيس تبون، لفرض منظومة مندمجة، وخلق منصة تنسيق وطنية تضمن قدرة الجزائرية للمياه على التوزيع والتموين والصيانة والترشيد في نفس الوقت. مع دمج الخبرات التقنية والبيئية للمؤسسات الكبرى كسوناطراك وسونلغاز لتفادي أزمات التسيير في المدن الكبرى والمناطق النائية على حد سواء».
المــــواطن في قلــــب المعادلــة
وكشف محدثنا أن البيان الرئاسي لم يغفل البعد الاجتماعي، في ضوء تشديد الرئيس على المحافظة على هذه الثروة، ووجوب احترام مطالب وانشغالات المواطنين، وهذا يعني أن الارتقاء بمؤسسة «الجزائرية للمياه» لا بد أن يترجم ميدانيا في شكل تحسن ملموس في التزويد والتموين المستمرين، ووضع برامج مستقرة ومعلنة رقميا، وتجنب الانقطاعات المفاجئة، مع تحويل مكاتب «الجزائرية للمياه» إلى مراكز استماع ذكية تستجيب للأعطال والتسربات في وقت قياسي، وليس مجرد مكاتب لتحصيل الفواتير، ضمن معادلة توازن بين صرامة التسيير وضمان كرامة المواطن في الحصول على قطرة ماء نظيفة ومستديمة.المتابع لبيان مجلس الوزراء في شقه المائي، يتبين أن الدولة انتقلت من سياسة العرض (بناء السدود ومركبات التحلية) إلى سياسة الترشيد (التسيير العقلاني والفعال)، كما أن الرهان على محطات تحلية مياه البحر التي أطلقها رئيس الجمهورية، يتطلب – بالضرورة – شركة توزيع حكومية قوية، وذات كفاءة عالية، تضاهي جودة مؤسسة سونلغاز؛ لأن إنتاج المياه مكلف جدا، ولا يمكن السماح بضياع قطرة واحدة منه في شبكات مهترئة، يذكر محدثنا.وبهذه القرارات الصارمة – واصل محدثنا – تدخل الجزائر مرحلة جديدة من «الحوكمة المائية»، ويصبح هناك محاسبة على كل قطرة ضائعة بسبب التقاعس في التسيير وتأخر الصيانة، مع دمج الفعالية والنجاعة في التوزيع والترشيد، كونهما المعيار الحقيقي لنجاح القائمين على هذا القطاع الحيوي في أداء مهامهم على أكمل وجهٍ.وسجل محدثنا أن «الجزائرية للمياه» اليوم، ليست أمام عملية ترميم بسيطة، إنما هي أمام إعادة تصميم شامل لتوزيع المياه والاستجابة لتطلعات المواطنين، وهي معركة كفاءة ضد الهدر، ورقمنة ضد البيروقراطية، والهدف الأسمى هو ضمان حق الجزائري الدستوري في مياه الشرب ضمن رؤية اقتصادية وطنية مستدامة، يقول الباحث في الاقتصاد وقانون الأعمال بجامعة الأغواط، الدكتور الحاج محمد الرق.




