زيارة قداسة البابا ليون حدث تاريخي.. وهي أول زيارة لبابا الفاتيكان
هذه أرض التاريخ العريق وتلاقي الحضارات والأصالة والتفتّح والبناء
نعتز بــإرث القديس أوغسطــــين مثلما نعتز بإرث الأمـــير عبد القـــادر
نعتبر أنفسنا شركاء لكم في حمل الرسالة السامية.. والعيش الكريم
تمكين الشعب الفلسطيني من إقامة دولته ووقف الجرائم ضدّه
مستعدون لمواصلـــــــة العمل مع الفاتيكان لنبــذ الانقسام والعداء والشقــاق
موقفكم شجاع وإنساني من مأساة غزّة ومن المآسي التي ابتليت بها منطقة الخليج
صوتنا يتقاطع مع صوتكم في الدعاء بالأمن والأمان لمنطقة الخليج ولبنـان
بلادنا ظلّت المـــــــلاذ الآمن للمظلومين والمضطهديــــــن والمحرومين
بسم الله الرحمن الرحيم
والصِّلاة والسَّلام على أشرف المرسلين
قداسة البابا ليون
أصحاب النِّيابة أعضاء الوفد الكريم المرافق لقداستكم،
السيدات والسادة ممثلو السلطات العليا في البلد كلّ باسمه ومقامه،
أصحاب السعادة السفراء وممثلو السلك الدبلوماسي المعتمد لدى الجزائر
السيدات والسادة ممثلو المجتمع المدني
الحضور الكريم.
باسم الجزائر، شعبا وحكومة ومؤسّسات يسعدني ويشرفني أن أرحّب بكم، قداسة البابا ليون، ترحيبا حارا في أرض الجزائر، أرض التاريخ العريق، وأرض تلاقي الحضارات وانصهارها، وأرض الأصالة المتجذّرة والتفتّح المتبصّر والبناء.
إنّ وجود قداستكم بيننا اليوم، ليمثل حدثا تاريخيا بكل ما تحمله الكلمة من معان ومرام، فزيارتكم هي أول زيارة لبابا الفاتيكان إلى بلادنا منذ استقلالها، وهو ما يضفي عليها طابعا فريدا ويجعلها تختزل في فحواها ما نتشاركه من طموحات وما نتقاسمه من تطلّعات على أكثر من صعيد.
فمرحبا بكم قداسة البابا في هذه الأرض الطيبة التي أنجبت القديس أوغسطين، أبوكم الروحي واحد من أعظم أعلام الفكر الإنساني في تاريخ البشرية. إنه أصيل تاغست (سوق أهراس اليوم) وأسقف هيبون (عنابة اليوم).
وإنه ابن هذه الأرض، التي حرص كل الحرص أن تكون له لحدا أوليا بعد أن كانت له مهدا أصيلا.
والجزائر تعتزّ أيما اعتزاز بإرث القديس أوغسطين، كجزء أصيل ومتأصّل في تاريخها العريق، مثلما تعتز كذلك أيما اعتزاز بإرث مؤسّس الدولة الجزائرية الحديثة، الأمير عبد القادر، وهو الذي كان بحق رجل دولة ورجل دين ورجل فكر سبق عصره في ترسيخ قيم التسامح والحوار والتعايش الآمن.
وما أحوج عالمنا اليوم إلى الاستلهام من إرث هاتين المنارتين الساطعتين من أرض الجزائر، في وقت تتسارع فيه التحوّلات وتتعاظم فيه التحديات، ويتراجع فيه حضور القيم المرجعية التي ينبغي أن تلتف حولها وتهتدي بهديها الإنسانية بأسرها.
في مثل هذا الظرف الدقيق، يكتسي صوتكم، قداسة البابا، صدى خاصا ووقعا مميّزا، لما يجسّده شخصكم الكريم من قيم إنسانية رفيعة، ولما تعكسه مكانتكم السامية من رسائل روحية راقية ونبيلة.
أنتم اليوم، قداسة البابا خير نصير للعدالة الاجتماعية، في وقت تشهد فيه اتساع هوة الفجوة الاقتصادية على الصعيد العالمي، لاسيما بين الشمال والجنوب، وتفاقم حدة التفاوت في مستويات التنمية، سواء بين الدول فيما بينها، أو داخل الدول بين مختلف مكوناتها.
والجزائر من أشدّ الدول حرصا على العدالة الاجتماعية، الجزائر التي خاضت ثورتها التحريرية من أجل تحقيق هذه العدالة، وجعلت منها مبدأ راسخا في مسيرتها التنموية، وركيزة ثابتة في دساتيرها المتعاقبة، وحجر الأساس في سياساتها الوطنية المتتالية منذ الاستقلال إلى يومنا هذا.
وهذا ما يتلاقى في جوهره ومقصده مع رسالتكم السامية في الدفاع عن كل من يفتقر إلى سبيل من سبل العيش الكريم. نحن نعتبر أنفسنا شركاء لكم في حمل هذه الرسالة السامية.
وأنتم اليوم، قداسة البابا، خير مرافع عن السلام في العالم، في وقت تعصف فيه الحروب بأمن واستقرار عديد المناطق عبر العالم، وفي مقدمتها منطقة الشرق الأوسط. ونحن ممّن يجدون العزاء في موقفكم الشّجاع والإنساني من مأساة غزة، ومن التطورات الخطيرة التي عرفتها ولا تزال تعرفها القضية الفلسطينية ككل، ومن كل الكوارث والمآسي التي ابتليت بها منطقة الخليج شرّ البلية.
وإننا لندعو بصوت واحد مع قداستكم ومع كل الضمائر الحية في العالم، إلى إنصاف الشعب الفلسطيني بتمكينه من جهود الإغاثة الموجّهة إليه، ووضع حدّ للجرائم الممنهجة المسلّطة عليه، وإعلاء حقه غير القابل للتصرّف أو التقادم في إقامة دولته المستقلة والسيدة. وصوتنا يتقاطع مع صوتكم في الدعاء بالأمن والأمان لمنطقة الخليج ولبنان، بتجاوز كل المحن التي ألمت به ظلما وعدوانا.
وأنتم اليوم قداسة البابا خير حامل لمشعل القيم الإنسانية والروحية الجامعة، قيم الحرية والحوار والتعايش.
والجزائر تدرك تمام الإدراك معنى ومغزى هذه القيم الأصيلة والمتأصلة في هويتها، وهي ملتزمة تمام الالتزام بدعمها والعمل على ترقيتها في مختلف فضاءات انتمائها الإقليمية وخارج فضاءات الانتماء هذه.
فالجزائر كانت على الدوام فضاء للتناغم والتفاعل والانسجام، بتوفيرها الملاذ الآمن للمظلومين والمضطهدين والمحرومين، ودفاعها الدائم عن الكرامة الإنسانية، واصطفافها المستمر إلى جانب القضايا العادلة في كافة أرجاء العالم، لاسيما في إفريقيا، وفي آسيا وفي أمريكا اللاتينية، وحتى في أوروبا.
تلكم هي القيم الإنسانية الجامعة التي نتشارك معكم قداسة البابا الإيمان بها والالتزام بمضامينها، والعمل على إحقاقها على الصعيدين الإقليمي والدولي: قيم العدالة الاجتماعية والسلام والحرية والحوار والتعايش.
وعلى هذا الأساس، أجدّد لقداستكم استعداد الجزائر التام لمواصلة العمل مع دولة الفاتيكان، من أجل ترقية روح التفاهم بدل الانقسام، ونشر روح الحوار بدل الصدام وتعزيز روح التعايش والتعاون بدل العداء والشقاق.
مرة أخرى أرحّب بقداستكم ترحيبا حارا وأشكركم على تلبية دعوة الجزائر، وأهنئكم على ما تبذلونه من جهود مخلصة لما فيه خير دولنا، وخير شعوبنا، وخير الإنسانية جمعاء.


