تكامـل بين الجامعــة والمؤسسـات الثقافيـة لاستدامة الذاكرة الجماعيـــة
برزت مسألة حماية التراث الثقافي وتثمينه كأحد التحديات الكبرى المطروحة أمام الفاعلين في الحقل الثقافي، في سياق التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم في مجال التكنولوجيا الرقمية، وهو ما شكل محور ندوة فكرية احتضنتها، المكتبة الرئيسية للمطالعة العمومية لولاية جيجل، ضمن فعاليات شهر التراث الممتد من 18 أفريل إلى 18 ماي، تحت شعار “تراثنا.. حضارتنا”.
جاء تنظيم هذه الندوة ليعكس وعيا بأهمية إدماج الوسائط الرقمية والتكنولوجيات الحديثة في صون الذاكرة الجماعية، حيث جمعت نخبة من الأكاديميين والباحثين المختصين الذين قدموا مقاربات علمية متعددة الأبعاد، سعت إلى استكشاف سبل توظيف الرقمنة كأداة فعالة في حفظ التراث الثقافي ونقله للأجيال القادمة.
وفي هذا الإطار، أكدت الدكتورة حمال صبرينة، في مداخلتها الموسومة بـ«التكنولوجيات الرقمية كجسر بين
الماضي والمستقبل نحو تثمين التراث الثقافي”، أن الرقمنة لم تعد خيارا، بل أضحت ضرورة استراتيجية تفرضها طبيعة التحولات الرقمية العالمية، مشيرة إلى أن اعتماد التقنيات الحديثة، على غرار الأرشفة الرقمية والواقع الافتراضي، يتيح إعادة إحياء الموروث الثقافي وتقديمه بطرق تفاعلية تستجيب لتطلعات الأجيال الجديدة.
من جهتها، تناولت الدكتورة بوزبرة سهيلة البعد القانوني للموضوع من خلال مداخلة بعنوان “الحماية الجزائية للتراث الثقافي في التشريع الجزائري”، حيث سلطت الضوء على المنظومة القانونية التي تحكم حماية الممتلكات الثقافية، مبرزة أهمية تكييف النصوص القانونية مع التحديات الجديدة التي تفرضها البيئة الرقمية، خاصة ما تعلق بالاعتداءات الإلكترونية على المحتوى التراثي.
أما الدكتورة بوالكور رفيقة، فقد ركزت في مداخلتها “حماية التراث الثقافي ـ الجزائر نموذجا” على التجربة الوطنية في هذا المجال، مستعرضة الجهود المبذولة من طرف المؤسسات الثقافية في توثيق التراث المادي واللامادي، مع التأكيد على ضرورة تعزيز التكامل بين المقاربات التقنية والقانونية لضمان حماية شاملة ومستدامة.
وتخللت، التظاهرة مبادرات ثقافية مرافقة، تمثلت في تنظيم معرض للكتاب من رصيد المكتبة، أتاح للزوار الاطلاع على مجموعة من المؤلفات التي توثق لمختلف جوانب التراث الجزائري، في خطوة تهدف إلى ربط الجمهور بالمصادر المعرفية وتعزيز ثقافة المطالعة في المجال التراثي، مع تكريم الأساتذة المشاركين، تقديرا لإسهاماتهم العلمية، في بادرة تعكس حرص القائمين على تثمين الكفاءات الوطنية وتشجيع البحث الأكاديمي في مجال التراث.
وهذه المبادرات ـ حسب المنظمين ـ تشكل لبنة أساسية في مسار تحديث آليات حماية التراث الثقافي، خاصة في ظل التحديات التي تفرضها العولمة الرقمية، حيث بات من الضروري الاستثمار في التكنولوجيا كوسيلة لحفظ الذاكرة الوطنية، وتعزيز حضورها في الفضاء الرقمي العالمي.
كما أبرزت هذه الندوة أهمية التنسيق بين المؤسسات الثقافية والجامعات ومراكز البحث، من أجل بلورة رؤية متكاملة تضمن استدامة التراث الثقافي، وتحويله إلى مورد معرفي واقتصادي قادر على الإسهام في التنمية الثقافية والسياحية.



