إنشاء أطر مؤسساتية لترقية التعاون الثنائي
تشهد العلاقات الثنائية الجزائرية التشادية، تناميا ملحوظا خلال السنوات الأخيرة، حيث تقدم الجزائر خبراتها ومساعدتها لتشاد، وذلك تجسيدًا لتوجيهات رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، الرامية إلى تعزيز التعاون الإقليمي ودعم الدول الشقيقة في المجالات الصناعية والمعدنية وقطاع الطاقة، من أجل تمكين الدولة الشقيقة من الاستغلال الأمثل لمقدراتها الوطنية، وقد تمثل هذا التنامي المتسارع للعلاقات الثنائية من خلال تبادل الزيارات الرسمية والتوقيع على عديد مذكرات التفاهم بين البلدين.
يعتبر التعاون التنسيقي أحد أهم محاور العلاقات بين الجزائر وتشاد، خاصة في ظل التحديات الاقتصادية والأمنية التي تعرفها منطقة الساحل والصحراء، والتي تؤثر على كلا البلدين. ويبرز هذا التنسيق من خلال تطوير التعاون الثنائي، بهدف نشر السلم عبر تفعيل التعاون الاقتصادي وتعزيز التنمية التي تعد رافدا أساسيا للجهود المبذولة في تحقيق السلام في تشاد، بالإضافة إلى التعاون في مكافحة الإرهاب والجريمة، وكذا العمل التنسيقي في المنظمات الأفريقية الأخرى.
توسيع التعاون
في المجال الاقتصادي، سعى الطرفان إلى توسيع نطاق المجالات المتخصصة، على الرغم من أن حجم المبادلات ما زالت دون مستوى الإمكانات المتاحة. ورغم ذلك تشمل المبادلات بعض المنتجات الصناعية والغذائية ومواد البناء، مع التوجه لرفع حجم التجارة البينية وتسهيل حركة البضائع عبر المعابر الحدودية.
ويحتل التعاون الطاقوي مكانة خاصة في العلاقات الجزائرية التشادية، بالنظر إلى الخبرة الكبيرة التي تمتلكها الجزائر في مجال النفط والكهرباء، ما يمكنها من أن تساهم في تطوير قطاع الطاقة في تشاد من خلال نقل الخبرات التقنية، وتكوين الكفاءات، والمشاركة في العمليات الاستكشافية.
هذا، ويسعى الطرفان إلى ترقية العلاقات إلى شراكة استراتيجية متكاملة بحلول عام 2030. وشهد شهر أفريل الحالي مستجدات على مستوى تطوير التعاون الثنائي، شمل المجال التجاري والاقتصادي من خلال عقد أول دورة لمجلس رجال الأعمال الجزائري التشادي في الجزائر العاصمة، يوم 20 أفريل 2026، بهدف بناء شراكات مباشرة واستكشاف الفرص في السوق التشادية الواعدة. حيث أكد وزير التجارة الخارجية وترقية الصادرات، كمال رزيق، أن المجلس “يجسد الإرادة السياسية القوية لقائدي البلدين، رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، ورئيس جمهورية تشاد، السيد محمد إدريس ديبي إتنو، الرامية إلى ترقية التعاون الاقتصادي وتطوير المبادلات التجارية بين البلدين، بما يفتح آفاقًا جديدة لبناء تكامل اقتصادي إفريقي قائم على استغلال الإمكانات والقدرات المتاحة”. وبالتزامن مع ذلك، انعقد منتدى اقتصادي تشادي-جزائري في الفترة من 20 إلى 21 أفريل 2026، لتعزيز الروابط التجارية غير الرسمية وتحويلها إلى أطر مؤسسية.
قاطرة الصناعة الأفريقية
وفي مجال الصناعة، بحثت شركة “صيدال” الجزائرية تعزيز التعاون مع وفد من رجال الأعمال التشاديين لدعم التوسع في الأسواق الإفريقية. حيث استقبل المجمع وفدا من رجال الأعمال التشاديين الناشطين في القطاع الصيدلاني. وكانت الزيارة فرصة لحوار مثمر حول آفاق الشراكة وسبل تصدير المنتجات الصيدلانية الجزائرية إلى السوق التشادية.
كما تركز النقاش على “مزايا الأدوية الجزائرية المعروفة بفعاليتها وجودتها العالية وتكلفتها التنافسية، إضافة إلى تحديد احتياجات السوق الإقليمي. وفيما يخص صناعة الإسمنت جرى الاتفاق في ديسمبر 2025 على إيفاد خبراء جزائريين من مجمع “جيكا” (GICA) لتقييم الإمكانات التشادية لتطوير مصانع إسمنت جديدة. ويأتي هذا التعاون في إطار استراتيجية الجزائر لتصدير مواد البناء وتنمية التعاون جنوب-جنوب، بعد أن حققت الاكتفاء الذاتي في إنتاج الإسمنت بفضل مجمع “جيكا” الذي يمتلك قدرات إنتاجية معتبرة. وتم التطرق أيضا إلى آفاق المرافقة التقنية، وإنجاز تشخيص صناعي ومنجمي، إلى جانب نقل الخبرات والمعرفة، بما يسهم في تطوير شعبة صناعة الإسمنت في جمهورية تشاد.
وتعد صناعة الإسمنت مجالا حيويا بالنسبة للتشاد، الذي يشهد ديناميكية تنموية متسارعة، حيث أشارت وزيرة البترول والمناجم والجيولوجيا بجمهورية تشاد، خلال اللقاء، إلى أن الإسمنت يُعد مادة أساسية ومحورية في إنجاز مشاريع البنى التحتية وتطوير قطاع السكن. وأضافت أن جمهورية تشاد تتوفر على موارد منجمية هامة قابلة للاستغلال في مجال صناعة الإسمنت، غير أنها لا تضم حاليًا سوى مصنعين للإسمنت لا يغطيان الاحتياجات الوطنية.
شراكة حيوية..
وفي قطاع الطاقة والمناجم، وقع البلدان في ديسمبر 2025 وجانفي 2026 مذكرات تفاهم لتعزيز الشراكة بين مجمع “سوناطراك” والمؤسسة التشادية للمحروقات، تشمل مجالات البحث والتكوين. وأعربت الجزائر عن استعدادها لتقاسم خبرتها وتجربتها مع الجانب التشادي، لاسيما في مجالات البحوث والدراسات الجيولوجية، ورسم الخرائط الجيولوجية، والرقمنة، والضبط والتنظيم القانوني للنشاطات المنجمية. خاصة وأن الجزائر قد حدّثت وطورت الإطار القانوني والمؤسساتي للقطاع المنجمي، بما يتماشى مع التحولات الاقتصادية العالمية، بهدف جذب الاستثمارات، وتعزيز السيادة الوطنية على الثروات الطبيعية.
وقبل ذلك، في ماي 2024، زار وفد من الخبراء التشاديين في القطاع المنجمي الجزائر وكانت الزيارة محطة هامة لإطلاق شراكة تقنية، حيث مكنت الجانب التشادي من الاطلاع على التجربة الجزائرية في مجالات رسم الخرائط الجيولوجية، والاستشعار عن بعد، والجيوفيزياء، وعدة تخصصات أخرى في علوم الأرض، وأسهمت في إرساء أسس تعاون تقني قائم على تبادل الخبرات وتعزيز القدرات وتنفيذ مشاريع ذات قيمة مضافة عالية. هذا ويبدي تشاد اهتماما كبيرا بالاستفادة من التجربة الجزائرية في رسم الخرائط الجيولوجية والأطر القانونية المنظمة للنشاط المنجمي.
تحديات مشتركة
على الصعيد الأمني، تواجه الجزائر وتشاد تحديات أمنية معقدة، تعملان معا على مواجهتها، خاصة ما تعلق بالتصدي لخطر انتشار الجماعات الإرهابية في منطقة الساحل والصحراء، والجريمة المنظمة العابرة للحدود، إذ يشكل تهريب الأسلحة، المخدرات، والبشر تحدياً أمنياً كبيراً نظراً لشساعة الحدود وصعوبة مراقبتها، إلى جانب تهديد الهجرة غير الشرعية، على اعتبار أن المنطقة حلقة عبور للمهاجرين الأفارقة غير الشرعيين، مما يضغط على الأمن القومي للبلدين. كما تتأثر كل من الجزائر وتشاد بعدم الاستقرار الإقليمي وتداعيات الأزمات في دول الجوار.
ومن أجل مواجهة هذه التحديات، تم تعزيز التعاون بين البلدين من خلال عقد الدورة الرابعة للجنة الحكومية المشتركة في أفريل 2026، والتي تضمنت من بين محاور أخرى بحث شراكة استراتيجية تشمل التنسيق الأمني والسياسي، وتبادل الخبرات، فطالما أبدت الجزائر استعدادها لمشاركة تجربتها في مجال الأمن والدفاع وحماية المنشآت الحيوية مع الجانب التشادي. وذلك بالتوازي مع التعاون الاقتصادي وتطوير مشاريع جامعة على غرار الطريق العابر للصحراء وتعزيز الربط الجوي لتعزيز التنمية بما يساعد على تحقيق الاستقرار.


