ربما أنتم ترونها صورة ولكني أراها أوجاعا مجتمعة في صورة..
أرى في هذه الصورة أقسى معاني الوجع الإنساني، حيث يلتقي الفرح المؤجل بالموت المباغت، وتتحول دعوة “عقد القران” إلى نعي مكتوب بالدموع..
أرى النصيب الذي سبق الشهادة
بين موعدين: كان من المفترض أن يرتدي البدلة ويفرح في الرابع عشر من نيسان، لكن القدر اختار له “كفنا” قبل الموعد بأيام.
أرى فيها دعوته التي لم تكتمل الهاتف الذي كان يحمل رسائل الفرح للأهل والأصدقاء، بات الآن يحمل وجعا لا يطاق، وصورة العريس التي كانت ستتصدر بطاقة الدعوة، أصبحت اليوم “بوستر” لشهيد.
أرى فيها زفافا أبديا : في غزة، لا تكتمل الأفراح على الأرض، بل تُزف الأرواح إلى السماء، حيث لا قصف، ولا حصار، ولا فراق.
دعوني أرثي العريس دعوني ارثي الفرح الموؤود
عريس السماء: يا من جهزت “الدعوة” ولم تشهد “الحفلة”، دعوتنا جميعا لنفرح معك، فجعلتنا جميعا نبكي عليك.
التاريخ المكتوب على الشاشة (24/4) سيبقى غصة في قلب “يارا” وفي قلب كل من قرأ الرسالة، كان يوما للحب، فصار يوما للخلود.
خلف هذه الشاشة أحلام شاب كان يخطط لبيت أو ربما خيمة وعائلة، وحياة جديدة لكن رصاص الغدر أو شظايا الحقد كانت أسرع من خطاه نحو “مدرسة عرفات”.
إن هذه الصورة ليست مجرد لقطة، بل هي وثيقة تدين الظلم الذي يسرق من الشباب أجمل أيامهم، ويحول “عقد القران” إلى “عقد مع الشهادة”.
بدل أن يكتب العريس خطاب الغزل سيكتب لكي يارا خطاب اعتذار وأمل بلقاء جديد
إلى رفيقة الدرب التي لم يكتمل معها المشوار.. إلى “يارا”
كنتِ تظنين، كما كنتُ أظن، أننا في الرابع والعشرين من نيسان سنكتب بداية القصة، لكن القدر كتب لي الخاتمة قبل أن يبدأ الفصل الأول.
اعتذر منكِ، لأنني لم أحضر في الموعد الذي حددناه في “مدرسة عرفات”. لم تكن “البدلة” التي حلمنا بها تشبه الكفن الذي أرتديه الآن، ولم تكن رائحة “البخور” التي تخيلناها تشبه رائحة المسك التي تفوح من دمي.
يا حبيبتي، لا تبكي لأنني رحلت، بل تذكري أنني لم أرحل خيانة للعهد، بل وفاء لأرضٍ استكثرت علينا أن نجتمع فوقها، فجمعتني في جوفها. كنتُ أريد أن أبني لكِ بيتا من طوب، فأهداني الله قصرا من نور.
سامحيني لأنني تركتُ لكِ “دعوة الفرح” يتيمة في هاتفي، وسامحيني لأنني سأترككِ تواجهين هذا العالم وحدكِ. لكن كوني قوية، كوني كما عهدتكِ، فخر الشهيد لا تليق به إلا الصابرات.
موعدنا يا “يارا” ليس في نيسان، بل في جنةٍ لا نعرف فيها الفراق، ولا نسمع فيها صوت القصف، ولا تبكي فيها العرائس. هناك، سأنتظركِ ببدلتي البيضاء، لنقيم عرسنا الذي لا ينتهي.
وداعا.. يا عروستي التي ستزفني بدموعها إلى السماء.
نكتب لنحفظ الذاكرة من النسيان





