استيقظت أمّ محمود على صوت الطائرات التي لم تغادر السماء منذ شهور، وكأنها أصبحت جزءا من الهواء الذي يتنفسه الناس رغم ثقله وخوفه. نظرت حولها، فلم تجد سوى خيمة مهترئة لا تقي من برد الليل ولا من حرّ النهار، تذكيرا دائما بأن بيتها الذي كان يحتضن ضحكات أطفالها لم يعد موجودا.
بقلم: آلاء أكرم العقاد – خانيونس
في الخارج، كان المخيم يستيقظ ببطء على وجعٍ جماعي. وجوه شاحبة، أطفال حفاة، وأمهات يحملن في أعينهن خوفا لا ينطفئ. الحصار خنق كل شيء؛ الطعام صار نادرا، والأسعار ترتفع كأنها تسابق الألم نفسه. حتى الحيوانات، التي اعتادت الصبر، لم تعد تحتمل العيش في هذه الظروف.
لكن ذلك اليوم كان مختلفا.. أكثر قسوة.
ركضت طفلة صغيرة بين الخيام وهي تبكي، تصرخ باسم أخيها الذي اختفى فجأة. لم يكن الأول، ولن يكون الأخير. بدأت الهمسات تتحول إلى خوف حقيقي: أطفال يُخطفون في وضح النهار، من بين الخيام، من بين أحضان الأمهات. لا أحد يعرف من يفعل ذلك، ولا إلى أين يذهبون.
جلست أمّ محمود قرب مدخل خيمتها، تحتضن ابنها الأصغر بقوة، كأنها تخشى أن يختفي بين ذراعيها. كانت تسمع قصصا تتردد بين الناس – قصص عن أطفال يُؤخذون ويُباعون لتجّار أعضاء في أماكن بعيدة. لم تكن تعرف إن كانت هذه القصص حقيقية، لكنها كانت تعرف شيئا واحدا: الخوف صار أكبر من أن يُحتمل.
مرّ النهار ثقيلا، ومع كل صوت في المخيم، كانت القلوب تقفز من أماكنها. لم تأتِ أي كاميرات، ولم تتحدث أي وسائل إعلام عن هذا الألم الجديد. كأن معاناة الناس هنا لم تعد تُرى، أو لم تعد تُهمّ أحدا.
في الليل، حين هدأت الأصوات قليلا، لم يهدأ القلق. تمددت أمّ محمود على الأرض الباردة، وعيناها مفتوحتان في الظلام. كانت تفكر في الغد.. هل سيبقى أطفالها بجانبها؟ هل ستستيقظ على فقدٍ جديد؟
في المخيم، لم يعد النوم راحة.
صار مجرد استراحة قصيرة داخل كابوسٍ طويل.. لا يبدو أن له نهاية.





